الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَمَنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ فَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} (94)

93

قال الزجاج : في هذه الآية أعظم دلالة لنبوة محمد نبينا صلى الله عليه وسلم ، أخبرهم أنه ليس في كتابهم ، وأمرهم أن يأتوا بالتوراة فأبوا ، يعني عرفوا أنه قال ذلك بالوحي . وقال عطية العوفي : إنما كان ذلك حراما عليهم بتحريم يعقوب ذلك عليهم . وذلك أن إسرائيل قال حين أصابه عرق النَّسَا : والله لئن عافاني الله منه لا يأكله لي ولد ، ولم يكن ذلك محرما عليهم . وقال الكلبي : لم يحرمه الله عز وجل في التوراة عليهم وإنما حرمه بعد التوراة بظلمهم وكفرهم ، وكانت بنو إسرائيل إذا أصابوا ذنبا عظيما حرم الله تعالى عليهم طعاما طيبا ، أو صب عليهم رجزا وهو الموت ، فذلك قوله تعالى : " فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم " {[3223]} [ النساء : 160 ] الآية . وقوله : " وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر " الآية - إلى قوله : " ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون " {[3224]} [ الأنعام : 146 ] .

الرابعة : ترجم ابن ماجه في سننه " دواء عرق النَّسَا " حدثنا هشام بن عمار وراشد بن سعيد الرملي قالا حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا هشام بن حسان حدثنا أنس بن سيرين أنه سمع أنس بن مالك يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( شفاء عرق النسا ألية شاة أعرابية{[3225]} تذاب ثم تجزأ ثلاثة أجزاء ثم يشرب على الريق في كل يوم جزء ) . وأخرجه الثعلبي في تفسيره أيضا من حديث أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في عرق النسا : ( تؤخذ ألية كبش عربي لا صغير ولا كبير فتقطع صغارا فتخرج إهالته{[3226]} فتقسم ثلاثة أقسام في كل يوم على ريق النفس ثلثا ) قال أنس : فوصفته لأكثر من مائة فبرأ بإذن الله تعالى . شعبة : حدثني شيخ في زمن الحجاج بن يوسف في عرق النسا : أقسم لك بالله الأعلى لئن لم تنته لأكوينك بنار أو لأحلقنك بموسى . قال شعبة : قد جربته ، تقوله ، وتمسح على ذلك الموضع .


[3223]:- راجع جـ6 ص 12.
[3224]:- راجع جـ7 ص 127.
[3225]:- زيادة عن سنن ابن ماجه.
[3226]:- الإهالة (بالكسر): الشحم المذاب، أو كل ما اؤتدم به من الأدهان.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَمَنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ فَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} (94)

{ فمن } أي فتسبب عن ذلك أنه من{[18310]} { افترى } أي تعمد { على الله } أي الملك الأعظم { الكذب } أي في أمر المطاعم أو{[18311]} غيرها .

ولما كان المراد النهي عن إيقاع الكذب في أي زمن كان ، لا عن إيقاعه في جميع الزمان الذي بعد نزول الآية أثبت الجار فقال : { من بعد ذلك } أي البيان العظيم الظاهر جداً { فأولئك } أي الأباعد الأباغض{[18312]} { هم } خاصة لتعمدهم الكذب على من هو محيط بهم ولا تخفى{[18313]} عليه خافية { الظالمون * } أي المتناهو{[18314]} الظلم بالمشي على خلاف الدليل فعل من يمشي{[18315]} في الظلام ، فهو لا يضع شيئاً في موضعه ، وذلك بتعرضهم إلى أن يهتكهم التام العلم ويعذبهم الشامل القدرة .


[18310]:زيد من ظ.
[18311]:في مد "و".
[18312]:في ظ: الاباعز ـ كذا.
[18313]:في ظ: لا يخفى، وفي مد: لا تخفى ـ كذا.
[18314]:من مد، وفي الأصل: المتباهر، وفي ظ: المتناهون.
[18315]:في ظ: تمشى، وفي مد: يمشي ـ كذا.