الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَكَيۡفَ تَكۡفُرُونَ وَأَنتُمۡ تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمۡ رَسُولُهُۥۗ وَمَن يَعۡتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدۡ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} (101)

قاله تعالى على جهة التعجب{[3288]} ، أي " وكيف تكفرون وأنت تتلى عليكم آيات الله " يعني القرآن . " وفيكم رسوله " محمد صلى الله عليه وسلم . قال ابن عباس : كان بين الأوس والخزرج قتال وشر في الجاهلية ، فذكروا ما كان بينهم فثار بعضهم على بعض بالسيوف ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فذهب إليهم ، فنزلت هذه الآية " وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله - إلى قوله تعالى : فأنقذكم منها " ويدخل في هذه الآية من لم ير النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأن ما فيهم من سنته يقوم مقام رؤيته . قال الزجاج : يجوز أن يكون هذا الخطاب لأصحاب محمد خاصة ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيهم وهم يشاهدونه . ويجوز أن يكون هذا الخطاب لجميع الأمة ؛ لأن آثاره وعلاماته والقرآن الذي أوتى فينا مكان النبي صلى الله عليه وسلم فينا وإن لم نشاهده . وقال قتادة : في هذه الآية علمان بينان : كتاب الله ونبي الله ، فأما نبي الله فقد مضى ، وأما كتاب الله فقد أبقاه بين أظهرهم رحمة منه ونعمة ، فيه حلاله وحرامه ، وطاعته ومعصيته . " وكيف " في موضع نصب ، وفتحت الفاء عند الخليل وسيبويه لالتقاء الساكنين ، واختير لها الفتح لأن ما قبل الفاء ياء فثقل أن يجمعوا بين ياء وكسرة . قوله تعالى : " ومن يعتصم بالله " أي يمتنع ويتمسك بدينه وطاعته . " فقد هدي " وفق وأرشد " إلى صراط مستقيم " ابن جريج " يعتصم بالله " يؤمن به . وقيل : المعنى ومن يعتصم بالله أي يتمسك بحبل الله ، وهو القرآن . يقال : أعصم به واعتصم ، وتمسك واستمسك إذا امتنع به من غيره . واعتصمت فلانا هيأت له ما يعتصم به . وكل متمسك بشيء معصم ومعتصم . وكل مانع شيئا فهو عاصم ، قال الفرزدق :

أنا ابن العاصمينَ بني تميم *** إذا ما أعظَمُ الحَدَثَان نَابَا

قال النابغة :

يظل من خوفه الملاّح معتصما *** بالخيزرانة بعد الأيْن والنَّجَدِ{[3289]}

وقال آخر{[3290]} :

فأشرطَ فيها نفسه وهو مُعصِمٌ *** وألقى بأسباب له وتوكّلا

وعصمه الطعام : منع الجوع منه ، تقول العرب : عصم فلانا{[3291]} الطعام أي منعه من الجوع ، فكنوا السويق بأبي عاصم لذلك . قال أحمد بن يحيى : العرب تسمي الخبز عاصما وجابرا ، وأنشد :

فلا تلوميني ولومي جابراً *** فجابرٌ كلفني الهواجرا

ويسمونه عامرا . وأنشد :

أبو مالك يعتادني بالظهائر *** يجيء فيُلقى رحله عند عامر

أبو مالك كنية الجوع .


[3288]:- كذا في ب و ز و حـ، أي التعجيب والإنكار كما في الكشاف.
[3289]:- الخيرزرانة: السكان، وهو ذنب السفينة، والأين: الفترة والإعياء، والنجد (بالتحريك): العرق من عمل أو كرب أو غيره.
[3290]:- هو أوس بن حجر. وفي الديوان: فأشرط فيه رأسه..وألقى بأسبات...
[3291]:- من د. وفي جـ: عصمه.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَكَيۡفَ تَكۡفُرُونَ وَأَنتُمۡ تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمۡ رَسُولُهُۥۗ وَمَن يَعۡتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدۡ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} (101)

ولما حذرهم منهم عظم{[18430]} عليهم طاعتهم بالإنكار والتعجيب{[18431]} من ذلك{[18432]} مع{[18433]} ما هم عليه بعد اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم من الأحوال الشريفة فقال - عاطفاً على ما تقديره : فكيف تطيعونهم وأنتم تعلمون عداوتهم : { وكيف تكفرون } أي يقع منكم ذلك في وقت من الأوقات على حال من الأحوال { وأنتم تتلى } أي تواصل بالقراءة { عليكم آيات الله } أي علامات الملك الأعظم البينات { وفيكم رسوله } الهادي من الضلالة المنقذ من الجهالة ، فتكونون{[18434]} قد جمعتم{[18435]} إلى موافقة العدو{[18436]} مخالفة الولي{[18437]} وأنتم بعينه وفيكم أمينه{[18438]} { ومن } أي والحال أنه من{[18439]} { يعتصم } أي {[18440]}يجهد نفسه{[18441]} في ربط أموره { بالله } المحيط بكل شيء علماً وقدرةً في جميع{[18442]} أحواله كائناً من كان{[18443]} . ولما كان من قصر نفسه على من له الكمال كله متوقعاً للفلاح عبر بأداة التوقع مقرونة بفاء السبب فقال : { فقد هدى } وعبر بالمجهول على طريقة كلام القادرين { إلى صراط مستقيم * } .


[18430]:سقط من ظ.
[18431]:في مد: التعجب.
[18432]:سقط من ظ.
[18433]:زيد من مد.
[18434]:في ظ: فتكون.
[18435]:من ظ ومد، وفي الأصل: جمعتهم.
[18436]:زيدت الواو بعده في الأصل، ولم تكن في ظ ومد فحذفناها.
[18437]:العبارة من هنا إلى "كائنا من كان" تأخرت في الأصل عن "السبب فقال"، والترتيب من ظ ومد.
[18438]:العبارة من "وأنتم بعينه" إلى هنا تأخرت في الأصل عن "كائنا من كان"، والترتيب من ظ ومد.
[18439]:سقط من ظ ومد.
[18440]:في ظ: يجتهد بنفسه، وفي مد: يجتهد بنفسه.
[18441]:في ظ: يجتهد بنفسه، وفي مد: يجتهد بنفسه.
[18442]:سقط من ظ.
[18443]:سقط من ظ.