لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{۞مَثَلُ ٱلۡفَرِيقَيۡنِ كَٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡأَصَمِّ وَٱلۡبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِۚ هَلۡ يَسۡتَوِيَانِ مَثَلًاۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} (24)

مثل الكافر في كفره كالأعمى والأصم ، ومَثْلُ المؤمن في إيمانه كالسميع والبصير- هذا بيان التفسير .

والإشارة فيه أن الأعمى مَنْ عَمِيَ عن الإبصار بِسرِّه ، والأصمُّ الذي طَرِش بسَمْع قلبه ؛ فلا باستدلاله شَهِدَ سر تقديره في أفعاله ، ولا بنور فراسةٍ توهم ما وقف عليه من مكاشفات الغيب لقلبه ، ولا بسَمْع القبولِ استجابَ لدواعي الشريعة ، ولا بِحُكْم الإنصاف انْقَادَ لما يتوجَّب عليه من مطالبات الوقت مما يلوح لِسرِّه من تلويحات الحقيقة .

وأما البصير فهو الذي يشهد من الحق أفعاله بعلم اليقين ، ويشهد صفاته بعين اليقين ، ويشهد ذاته بحق اليقين ، والغائبات له حضور ، والمستورات له كشف . فالذي يسمع فَصِفَتُه ألا يسمعَ هواجسَ النَّفْس ولا وساوس الشيطان ؛ فيسمع من دواعي العلم شرعاً ، ثم من خواطر التعريف قدراً ، ثم يكاشف بخطاب من الحق سِرَّا8 .

فهؤلاء لا يستويان ، ولا في طريق يلتقيان :

راحَتْ مُشَرِّقةً ورُحْتُ مُغَرباً *** فمتى التقاءُ مُشَرِّقٍ ومُغَرِّبِ ؟ !

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞مَثَلُ ٱلۡفَرِيقَيۡنِ كَٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡأَصَمِّ وَٱلۡبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِۚ هَلۡ يَسۡتَوِيَانِ مَثَلًاۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} (24)

قوله : { مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع } ثمة فريقان وهما : فريق الشقاء ، وفريق السعادة ، ففريق الشقاء مثله كالأعمى الذي لا يبصر النور ، والأصم الذي لا يسمع الموعظة وحسن الكلام . وأما فريق السعادة فمثله كالبصير الذي يرى الحق والهداية النور ، والسميع الذي يسمع النصح والإرشاد والصواب . فالكافر ضال سادر في الكفر والباطل ، كأنهما هو أعمى لا يرى حقا ولا صوابا ، وكأنما هو أصم فلا يسمع من معاني الخير والهداية شيئا . أما المؤمن : فإنه بصير يرى الهداية والنور ، وهو كذلك سميع ، يسمع كلام الله فيخشع قلبه ويخبت إلى الله خاضعا منيبا .

قوله : { هل يستويان مثلا أفلا تذكرون } أي هل يستوي الفريقان { مثلا } منصوب على التمييز ومثلا يعني تشبيها أو صفة أو حالا { أفلا تذكرون } الاستفهام لإنكار عدم التذكر . يعني : أفلا تتفكرون وتعبرون بضرب هذه الأمثال والتأمل فيها لتستيقنوا مبلغ الاختلاف بين الفريقين المتباينين فتتعظوا وتزدجروا ؟ ! {[2074]}


[2074]:فتح القدير جـ 2 ص 491 وتفسير البيضاوي ص 294 وتفسير النسفي جـ 2 ص 184.