يا موسى . . اخْلَعْ نعليكَ وألقِ عصاك ، وأقِمْ عندنا هذه الليلة ، فلقد تَعِبْتَ في الطريق - وذلك إن لم يكن في النقل والآثار فهو مما يليق بتلك الحال .
يا موسى . . كيف كُنْتَ في الطريق ؟ كيف صَعَّدْتَ وكيف صوَّبت وكيف شرَّقْتَ وكيف غَرَّبْتَ ؟ ما كنتَ في الطريق وحدَك يا موسى ! أحصَيْنا خُطَاكَ - فقد أحصينا كلَّ شيءٍ عَدَداً . يا موسى . . تعِبْتَ فاسترحْ ، وبعد ما جِئْتَ فلا تَبْرَحْ - كذلك العبدُ غداً إذا قطع المسافةَ في القيامةِ ، وتبوَّأَ مَنْزِلَه من الجنة ؛ فأقوامٌ إذا دخلوها رجعوا إلى منازلهم ثم يوم اللقاء يستحضرون ، وآخرون يمضون من الطريق إلى بساط الزلفة ، وكذا العبد أو الخادم إذا دَخَلَ بَلَدَ سلطانِه . يبتدئ أولاً بخدمة الشُّدَّةِ العَلِيَّةِ ثم بعدها ينصرف إلى منزله . وكذلك أمرنا ؛ إذا أصبحنا كلَّ يوم : ألا نشتغِلَ بشيءٍ حتى نَفْتَتِحَ النهارَ بالخطاب مع الحقِّ قبل أن نخاطِبَ المخلوق ، نحضر بساط الخدمة - أي الصلاة - بل نحضر بساط الدنوِّ والقربة ، قال تعالى : { وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب } [ العلق : 19 ] : فالمُصَلِّي مُنَاج رَبَّه . ولو عَلِمَ المُصَلِّي مَن يناجي ما التفت ؛ أي لم يخرج عن صلاته ولم يلتفت يميناً ولا شمالا في التسليم الذي هو التحليل .
قوله جل ذكره : { فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَزُ كَأَنَّهَا جَآنٌ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الأَمِنِينَ } .
عندما انقلبت العصا حَيَّةً وَلَّى موسى مُدْبِراً ولم يعقب ، وكان موضع ذلك أن يقول : حديثٌ أَوَّلُه تسليطُ ثعبان ! مَنْ ذا يُطِيقُ أوَّلَه ؟ ! .
فقيل له : لا تَخَفْ يا موسى ؛ إن الذي يَقْدِرُ أَنْ يَقْلِبَ العصا حيةً أن يَخْلُقَ لك منها السلامة : { يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمنين } : ليس المقصودُ مِنْ هذا أنت ، إنما أثبت هذا لأسلطَه على عدوِّك ، فهذه معجزتُك إلى قومك ، وآيتُك على عودِّك .
ويقال : شتان بين نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - وبين موسى عليه السلام ؛ رجع من سماع الخطاب وأتي بثعبان سَلّطَه على عدوِّه ، ونبينا - صلى الله عليه وسلم - رجع بعد ما أُسْرِيَ به إلى السماء ، وأوحى إليه ما أوحى - لِيُوَافِيَ أُمَّتَه بالصلاة التي هي المناجاة ، وقيل له : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، فقال : " السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين " .
قوله تعالى : { وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ ( 31 ) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ } .
هاتان معجزتان أخريان أوتيهما موسى عليه السلام تصديقا له وشهادة بصدق نبوته وما جاء به من رسالة وبلاغ للناس . وهو قوله : { وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ } معطوف على قوله : { أَن يَا مُوسَى } أمره ربه أن يلقي عصاه فألقاها { فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ } الفاء فصيحة ؛ أي مفصحة عن جمل حذفت تعويلا على دلالة الحال عليها ؛ أي فألقاها فصارت حية فاهتزت { فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ } أي تتحرك وتضطرب { كَأَنَّهَا جَانٌّ } شبّهها بالجان لسرعة حركتها وخفتها ؛ فقد كانت حية عظيمة الخلقة ، مخُوفة الشكل والهيئة . فلما رآها موسى على هذه الحالة من الترويع والإفراغ { وَلَّى مُدْبِرًا } أي ولى هاربا مذعورا { وَلَمْ يُعَقِّبْ } أي لم يرجع ولم يلتفت لفرط ما أصابه من الذعر والفزع . وحينئذ تولته عناية الله بالكلاءة وإشاعة الأمن في قلبه ؛ إذ ناداه ربه { يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ } أي ارجع إلينا ولا تخيفنك الحية ؛ فأنت لدينا من الآمنين ، ولن يمسك من هذه الحية مكروه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.