لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَزۡوَٰجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلۡأَرۡضُ وَمِنۡ أَنفُسِهِمۡ وَمِمَّا لَا يَعۡلَمُونَ} (36)

قوله جل ذكره : { سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ } .

تُنَبِه هذه الآيةُ على التفكُّرِ في بديع صُنْعِه ؛ فقال : تنزيهاً لِمَنْ خَلَقَ الأَشياء المتشاكلةَ في الأجزاء والأعضاء ، من النبات ، ومن أنفسهم ، ومن الأشياء الأخرى التي لا يعلمون تفصيلها ، كيف جعل أوصافَها في الطعوم والروائح ، في الشكل والهيئة ، في اختلاف الأشجار في أوراقها وفنون أغصانها وجذوعها وأصناف أنوارها وأَزهارها ، واختلاف أشكال ثمارها في تفرُّقِها واجتماعها ، ثم ما نيط بها من الانتفاع على مجرى العادة مما يسميه قومٌ : الطبائع ؛ في الحرارة والبرودة ، والرطوبة واليبوسة ، واختلاف الأحداث التي يخلقها اللَّهُ عقيب شراب هذه الأدوية وتناول هذه الأطعمة على مجرى العادة من التأثيرات التي تحصل في الأبدان . ثم اختلاف صور هذه الأعضاء الظاهرة والأجزاء الباطنة ، فالأوقات متجانسة ، والأزمان ، متماثلة ، والجواهر متشاكلة . . وهذه الأحكام مختلفة ، ولولا تخصيصُ حُكْم اللَّهُ لكل شيءٍ بما اختصَّ به لم يكن تخصيصٌ بغير ذلك أولى منه . وإنَّ مَنْ كحَّلَ اللَّهُ عيونَ بصيرته بيُمْن التعريف ، وقَرَنَ أوقاته بالتوفيق ، وأتَمَ نَظَره ، ولم يصده مانع . فما أقوى في المسائل حُجَّتَه ! وما أوْضَحَ في السلوكِ نَهْجَه ! .

إنَّها لأقْسَامٌ سَبَقَت على مَنْ شاءَه الحقُّ بما شاء .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَزۡوَٰجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلۡأَرۡضُ وَمِنۡ أَنفُسِهِمۡ وَمِمَّا لَا يَعۡلَمُونَ} (36)

ثم أثنى - سبحانه - على ذاته بما هو أهل له من ثناء فقال : { سُبْحَانَ الذي خَلَق الأزواج كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الأرض وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ } .

ولفظ { سبحان } : اسم مصدر منصوب على أنه مفعول مطلق بفعل محذوف ، والتقدير : سبحت الله سبحانا : أى : تسبيحا . بمعنى نزهته تنزيها عن كل سوء ، وعظمته تعظيما .

و " من " فى الآية الكريمة للبيان .

أى : ننزه الله - تعالى - تنزيها عن كل سوء . ونعظمه تعظيما لا نهاية له ، فهو - عز وجل - { الذي خَلَق الأزواج كُلَّهَا } أى : الأنواع ، والأصناف كلها ذكورا وإناثا .

{ مِمَّا تُنبِتُ الأرض } أى : خلق الأصناف كلها التى تنبت فى الأرض من حبوب وغيرها .

{ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ } أى : وخلقها من أنفسهم إذ الذكر من الأنثى ، والأنثى من الذكر .

{ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ } أى : وخلق هذه الأصناف كلها من أشياء لا علم لهم بها ، وإنما مرد علمها إليه وحده - تعالى - كما قال - سبحانه - :

{ وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } فالمقصود من الآية الكريمة : بيان لمظهر من مظاهر قدرته تعالى وبديع خلقه ، حيث خلق الأصناف كلها ، نرى بعضها نابتا فى الأرض ، ونرى بعضها متمثلا فى الإِنسان المكون من ذكر وأنثى ، وهناك مخلوقات أخرى لا يعلمها إلا الله تعالى