ويمضي السياق يستعرض حال بعضهم من الرسول [ ص ] وهم يستمعون إليه بآذانهم وقلوبهم مغلقة . وينظرون إليه بعيونهم وبصيرتهم مطموسة ، فلا يئوبون من السمع والنظر بشيء ، ولا يهتدون إلى الطريق :
( ومنهم من يستمعون إليك . أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون ? ومنهم من ينظر إليك . أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون ? ) .
إن هؤلاء الخلائق الذين يستمعون ولا يعقلون ما سمعوا ، وينظرون ولا يميزون ما نظروا . . إن هؤلاء لكثير ، في كل زمان وفي كل مكان . والرسول [ ص ] لا يملك لهم شيئاً . لأن حواسهم وجوارحهم مطموسة الاتصال بعقولهم وقلوبهم ، فكأنها معطلة لا تؤدي حقيقة وظيفتها . والرسول [ ص ] لا يسمع الصم ، ولا يبصر العمي . فذلك من شأن الله وحده عز وجل .
ولما قسمهم إلى هذين القسمين ، قسم القسم{[38004]} الأخير إلى قسمين فقال : { ومنهم } أي المكذبين { من } ولما كان المستمع إليه أكثر لأنهم أشهى الناس إلى تعرف حاله ، وكان طريق ذلك السمع والبصر ، وكان تحديق العين{[38005]} إليه لا يخفى ، فكان أكثرهم يتركه إظهاراً لبغضه وخوفاً من إنكار من يراه عليه ، وكان إلقاء السمع بغاية الجهد يمكن إخفاءه بخلاف الإبصار ، عبر هنا بالافتعال ، وجمع دالاً على كثرتهم نظراً إلى معنى " من " وأفرد في النظر اعتباراً للفظها ودالاً على قلة الناظر بما ذكر فقال : { يستمعون } وضمن الاستماع الإصغاء ليؤدي مؤدى الفعلين ، ودل على الإصغاء بصلته معلقة بحال انتزعت منه {[38006]}فكأنه : قال{[38007]} مصغين{[38008]} { إليك } أي عند قراءة القرآن وبيانه{[38009]} بالسنة ، ولكنهم وإن كانوا قسمين بالنسبة إلى الاستماع والنظر فهم قسم واحد بالنسبة إلى الضلال ، فكان تعقيب ذلك بحشرهم بعد قصر الهداية عليه سبحانه كذكر حشرهم فيما مضى تقسيمهم{[38010]} إلى قسمين بعد قوله { ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم } .
ولما كان صلى الله عليه وسلم يريد - بإسماعه لهم ما أنزل الله{[38011]} - هدايتهم به ، سبب عن استماعهم إنكار إسماعهم الإسماع المترتب عليه الهدى فقال : { أفأنت } أي وحدك { تسمع الصم } أي في آذان قلوبهم لأنهم يستمعون إليك وقد ختم على أسماعهم فهم لاينتفعون باستماعهم لأنهم يطلبون السمع للرد لا للفهم ؛ والسمع إدراك الشيء بما يكون به{[38012]} مسموعاً ، فكانوا بعدم انتفاعهم كأنهم هم{[38013]} مجانين ، لأن الأصم العاقل ربما فهم بالتفرس في تحريك الشفاه وغيرها فلذا قال : { ولو كانوا } أي جبلة وطبعاً { لا يعقلون* } أي لا يتجدد لهم عقل أصلاً فصاروا بحيث لا يمكن إسماعهم لأنه لا يمكن إلا بسماع الصوت الدال على المعنى وبفهم المعنى{[38014]} ، والمانع من الأول الصمم ، ومن الثاني عدم العقل ، فصاروا شراً من البهائم لأنها وإن كانت لا تعقل فهي تسمع ، والأصم : المنسد السمع بما يمنع من إدراك الصوت
قوله : { ومنهم من يستمع إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون 42 ومنهم من ينظر إليك فأنت تهدي العمى ولو كانوا لا يبصرون } جمع الضمير في { يستمعون } حملا على المعنى ؛ لأن معناها الجمع ، وأفرده في { ينظر } حملا على اللفظ ؛ لأن لفظها مفرد{[1986]} والاستفهام للنفي ، والفاء في الموضعين للعطف ، وهذا فريق من المشركين الضالين قد ختم الله سمعه وقلبه وبصره فبات كالأبله الأصم الذي لا يسمع ولا يعي . وكالأعمى الضال الذي لا يبصره ولا يهتدي ، هؤلاء لفرط تمردهم وعتوهم وفظاعة جحودهم وحقدهم باتت طبائعهم ونفوسهم لا تستسيغ الحق ولا تلين لكلام الله ؛ فهم يشهبون في ظواهرهم الصم والعمى ؛ إذ هم يستمعون إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن وتنسكب من فيه الطاهر أروع الحكمة والكلم . لكن جهاز الاستقبال المركوز في أعماقهم معطل مشلول ؛ فهم بذلك لا تلين قلوبهم لسماع القرآن ، ولا يستجيبون لندائه البليغ المؤثر كأنما هم صم لا يسمعون شيئا ، أو عمي لا يرون شيئا . ويدل ذلك على أن أحدا لا يؤمن إلا بتوفيق الله وهدايته وترشيده . وهذا رد على القدرية قولهم : إن الإنسان قادر على فعل ما يريد . سواء في ذلك سلوكه سبيل الهداية أو سبيل الضلال .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.