في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَقَالَ مُوسَىٰ يَٰفِرۡعَوۡنُ إِنِّي رَسُولٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ} (104)

103

وافتتاح القصة على ذلك النحو هو طريقة من طرق العرض القرآنية للقصص . وهذه الطريقة هي المناسبة هنا لسياق السورة ، وللمحور الذي تدور حوله . لأنها تعجل بالعاقبة منذ اللحظة الأولى - تحقيقاً للهدف من سياقتها - ثم تأخذ في التفصيل بعد الإجمال ، فنرى كيف سارت الأحداث إلى نهايتها .

فما الذي كان بين موسى وفرعون وملئه ؟

هنا يبدأ المشهد الأول بينهما :

( وقال موسى : يا فرعون إني رسول من رب العالمين . حقيق على ألا أقول على الله إلا الحق . قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل . قال : إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين . فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين . ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين . قال الملأ من قوم فرعون : إن هذا لساحر عليم ، يريد أن يخرجكم من أرضكم ، فماذا تأمرون ؟ قالوا : أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين . يأتوك بكل ساحر عليم ) . .

إنه مشهد اللقاء الأول بين الحق والباطل ، وبين الإيمان والكفر . . مشهد اللقاء الأول بين الدعوة إلى ( رب العالمين ) وبين الطاغوت الذي يدعي ويزاول الربوبية من دون رب العالمين !

وقال موسى : يا فرعون ، إني رسول من رب العالمين . حقيق على ألا أقول على الله إلا الحق . قد جئتكم ببينة من ربكم ، فأرسل معي بني إسرائيل . .

( يا فرعون ) . . لم يقل له : يا مولاي ! كما يقول الذين لا يعرفون من هو المولى الحق ! ولكن ناداه بلقبه في أدب واعتزاز . . ناداه ليقرر له حقيقة أمره ، كما يقرر له أضخم حقائق الوجود :

( إني رسول من رب العالمين ) . .

لقد جاء موسى - عليه السلام - بهذه الحقيقة التي جاء بها كل رسول قبله . حقيقة ربوبية الله الواحد للعالمين جميعاً . . ألوهية واحدة وعبودية شاملة . . لا كما يقول الخابطون في الظلام من " علماء الأديان " ومن يتبعهم في زعمهم عن " تطور العقيدة " إطلاقاً ، وبدون استثناء لما جاء به الرسل من ربهم أجمعين ! . . إن العقيدة التي جاء بها الرسل جميعا عقيدة واحدة ثابتة ؛ تقرر ألوهية واحدة للعوالم جميعها . ولا تتطور من الآلهة المتعددة ، إلى التثنية ، إلى الوحدانية في نهاية المطاف . . فأما جاهليات البشر - حين ينحرفون عن العقيدة الربانية - فلا حد لتخبطها بين الطواطم والأرواح والآلهة المتعددة والعبادات الشمسية والتثنية والتوحيد المشوب برواسب الوثنية . . وسائر أنواع العقائد الجاهلية . . ولا يجوز الخلط بين العقائد السماوية التي جاءت كلها بالتوحيد الصحيح ، الذي يقرر إلهاً واحداً للعالمين ؛ وتلك التخبطات المنحرفة عن دين الله الصحيح .

ولقد واجه موسى - عليه السلام - فرعون وملأه بهذه الحقيقة الواحدة ، التي واجه بها كل نبي - قبله او بعده - عقائد الجاهلية الفاسدة . . واجهه بها وهو يعلم أنها تعني الثورة على فرعون وملئه ودولته ونظام حكمه . . إن ربوبية الله للعالمين تعني - أول ما تعني - إبطال شرعية كل حكم يزاول السلطان على الناس بغير شريعة الله وأمره ؛ وتنحية كل طاغوت عن تعبيد الناس له - من دون الله - بإخضاعهم لشرعه هو وأمره . . واجهه بهذه الحقيقة الهائلة بوصفه رسولاً من رب العالمين . . ملزماً ومأخوذاً بقول الحق على ربه الذي أرسله .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَقَالَ مُوسَىٰ يَٰفِرۡعَوۡنُ إِنِّي رَسُولٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ} (104)

ولما كان التقدير عطفاً على { فظلموا بها } : ووضعها موسى مواضعها ، عبر عنه بقوله : { وقال موسى يا فرعون } خاطبه بما يعجبه امتثالاً لأمر الله تعالى له أن يلين في خطابه ، وذلك{[32847]} لأن{[32848]} فرعون لقب مدح لمن ملك مصر .

ولما أتاهم عليه السلام وهم عارفون بأمانته وصدقه وعظم مكانته ومكارم أخلاقه وشريف عنصره وعظيم مخبره ، وفرعون أعظمهم معرفة به لأنه ربي في حجره ، كان هذا حالاً مقتضياً لأن يلقي إليهم الكلام غير مؤكد ، لكن لما كان الإرسال من الله أمراً عظيماً جداً ، وكان المقصود به{[32849]} تخلية سبيل بني إسرائيل ، وكان فرعون ضنيناً بذلك ، أكده بعض التأكيد فقال : { إني رسول } ثم بين مرسله بقوله : { من رب العالمين* } أي المحسن إليهم أجمعين - وأنتم منهم - بإيجادهم وتربيتهم ، فهو تنبيه{[32850]} لمن سمعه على أن فرعون مربوب مقهور .


[32847]:- في ظ: لذلك.
[32848]:- من ظ، وفي الأصل: ان
[32849]:- زيد من ظ.
[32850]:- من ظ، وفي الأصل: ينبه.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَقَالَ مُوسَىٰ يَٰفِرۡعَوۡنُ إِنِّي رَسُولٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ} (104)

قوله : { وقال موسى يا فرعون إني رسول الله من رب العالمين } ذلك إخبار صريح وظاهر من نبي الله موسى لفرعون بأنه مرسل إليه من رب العالمين . لقد صدع له موسى بهذا الإخبار المجلجل من غير لين أو تمحل أو مصانعة أو مداهنة ؟ ليكون ذلك بداية عنونا لحديثه معه . وفي ذلك من الجهر الصادع بالحق ، والجرأة النافذة الفذة أما هذا الطاغوت المتجبر ما يكشف عن عظمة هذا النبي الكريم بيقينه البالغ وثقته الكاملة بربه الذي كتب الغلبة لرسله وللمؤمنين المستضعفين .