في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَمَا وَجَدۡنَا لِأَكۡثَرِهِم مِّنۡ عَهۡدٖۖ وَإِن وَجَدۡنَآ أَكۡثَرَهُمۡ لَفَٰسِقِينَ} (102)

94

ولقد تكشفت تلك التجارب عن طبيعة غالبة :

( وما وجدنا لأكثرهم من عهد ، وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين ) . .

والعهد الذي يشار إليه هنا قد يكون هو عهد الله على فطرة البشر ، الذي ورد ذكره في أواخر السورة : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم : ألست بربكم ؟ قالوا : بلى شهدنا ) . .

وقد يكون هو عهد الإيمان الذي أعطاه أسلافهم الذين آمنوا بالرسل . ثم انحرفت الخلائف . كما يقع في كل جاهلية . إذ تظل الأجيال تنحرف شيئاً فشيئاً حتى تخرج من عهد الإيمان ، وترتد الى الجاهلية .

وأياً كان العهد فقد تبين أن أهل هذه القرى لا عهد لأكثرهم يستمسكون به ، ويثبتون عليه . إنما هو الهوى المتقلب ، والطبيعة التي لا تصبر على تكاليف العهد ولا تستقيم .

( وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين ) . .

منحرفين عن دين الله وعهده القديم . . وهذه ثمرة التقلب ، ونقض العهد ، واتباع الهوى . . ومن لم يمسك نفسه على عهده مع الله ، مستقيماً على طريقته ، مسترشداً بهداه . فلا بد أن تتفرق به السبل ، ولا بد أن ينحرف ، ولا بد أن يفسق . . وكذلك كان أهل تلك القرى . وكذلك انتهى بهم المطاف . .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَمَا وَجَدۡنَا لِأَكۡثَرِهِم مِّنۡ عَهۡدٖۖ وَإِن وَجَدۡنَآ أَكۡثَرَهُمۡ لَفَٰسِقِينَ} (102)

ولما كان نقض العهد أفظع شيء ولا سيما عند العرب ، قال عاطفاً على " فما كانوا " : { وما وجدنا } أي في عالم الشهادة { لأكثرهم } أي الناس ، وأكد الاستغراق فقال : { من عهد } طبق ما كان عندنا في عالم الغيب ، وهذا إما إشارة إلى الميثاق يوم { ألست بربكم } إن كان ذلك على حقيقته ، أو إلى ما يفعلون حال الشدائد من الإقلاع عن{[32829]} المعاصي والمعاهدة{[32830]} على الشكر { لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين }{[32831]}[ يونس : 22 ] أو إلى إقامة الحجج بإفاضة العقول ونصب الأدلة ، فصار بنصبها وإيضاحها{[32832]} للعقول كأنه أخذ العهد على من عقل أنه يبذل الجهد في التأمل ولا يتجاوز ما أبداه له صحيح النظر { وإن } أي وإنا { وجدنا } أي علمنا في عالم الشهادة { أكثرهم لفاسقين* } أي خارجين عن دائرة{[32833]} العهد مارقين مما أوقفهم عند الحد عريقين في ذلك طبق ما كنا نعلمه منهم في عالم الغيب ، وما أبرزناه في عالم الشهادة إلا لنقيم عليهم به الحجة على ما يتعارفونه بينهم في مجاري عاداتهم ومدارك عقولهم .


[32829]:- في ظ: على.
[32830]:- من ظ، وفي الأصل: المعاهد.
[32831]:- سورة آية 22.
[32832]:- من ظ، وفي الأصل: إيضافها.
[32833]:- في ظ: دائر.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمَا وَجَدۡنَا لِأَكۡثَرِهِم مِّنۡ عَهۡدٖۖ وَإِن وَجَدۡنَآ أَكۡثَرَهُمۡ لَفَٰسِقِينَ} (102)

قوله : { وما وجدنا لأكثرهم من عهد } الضمير في { أكثرهم } يعود في أهل القرى الذين أهلكهم الله وخسروا أنفسهم ، وهم الذين ذكروا سابقا ؛ أي وما وجدنا لأكثر هؤلاء المشركين الذين قصصنا أخبارهم عليك من عهد ، وهو الوفاء بما وصاهم به الله من توحيده ، واتباع رسله ، والتزام دينه وشرعه ، ومجانية زواجره ونواهيه .

قوله : { وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين } إن مخففة من عن الثقيلة ، وضمير الشأن محذوف ، ووجدنا ، بمعنى علمنا ؛ أي : إن الشأن والحديث علمنا أكثرهم خارجين عن طاعة الله ، مارقين{[1485]} .


[1485]:تفسير الطبري جـ 9 ص 5- 9 والكشاف جـ 2 ص 100، 101 والنسفي جـ 2 ص 67 والبيضاوي ص 216 والازي جـ 14 ص 194- 197.