في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَمَا ذَرَأَ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُخۡتَلِفًا أَلۡوَٰنُهُۥٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَذَّكَّرُونَ} (13)

والفوج الرابع من أفواج النعمة فيما خلق الله للإنسان :

( وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه . إن في ذلك لآية لقوم يذكرون ) . .

وما خلق الله في الأرض وما أودع فيها للبشر من مختلف المعادن التي تقوم بها حياتهم في بعض الجهات وفي بعض الأزمان . ونظرة إلى هذه الذخائر المخبوءة في الأرض ، المودعة للناس حتى يبلغوا رشدهم يوما بعد يوم ، ويستخرجوا كنوزهم في حينها ووقت الحاجة إليها . وكلما قيل : إن كنزا منها قد نفد أعقبه كنز آخر غني ، من رزق الله المدخر للعباد . . ( إن في ذلك لآية لقوم يذكرون ) ولا ينسون أن يد القدرة هي التي خبأت لهم هذه الكنوز .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَمَا ذَرَأَ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُخۡتَلِفًا أَلۡوَٰنُهُۥٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَذَّكَّرُونَ} (13)

ولما كان ما مضى موضعاً للتفكر المنتج للعلم بوحدة الصانع واختياره ، وكان التفكر في ذلك مذكراً بما بعده من سر التفاوت في اللون الذي لا يمكن ضبط أصنافه على التحرير ، وكان في ذلك تمام إبطال القول بتأثير الأفلاك والطبائع ، لأن نسبتها إلى جميع أجزاء الورقة الواحدة والحبة الواحدة واحدة ، قال تعالى عطفاً على الليل : { وما ذرأ } أي خلق وبث وفرق التراب والماء { لكم } أي خاصة ، فاشكروه واعلموا أنه ما خصكم بهذا التدبير العظيم إلا لحكم كبيرة أجلَّها إظهار جلاله يوم الفصل { في الأرض } أي مما ذكر ومن غيره حال كونه { مختلفاً ألوانه } حتى في الورقة ، الواحدة ، فترى أحد وجهيها - بل بعضه - في غاية الحمرة ، والآخر في غاية السواد أو الصفرة ونحو ذلك ، فلو كان المؤثر موجباً بالذات لامتنع حصول هذا التفاوت في الآثار ، فعلم قطعاً أنه إنما هو قادر مختار ، ولم يذكر اختلاف الصور لأن دلالتها - لأجل اختلاف أشكال النجوم من السماء وصور الجبال والروابي والوهاد من الأرض - ليست على إبطال الطبيعة كدلالة اختلاف اللون .

ولما كان ذلك - وإن كان خارجاً عن الحد في الانتشار - واحداً من جهة كونه لوناً ، وحد الآية فقال : { إن في ذلك } الذي ذرأه في هذه الحال على هذا الوجه العظيم { لآية } ولما نبه في التي قبلها على أن الأمر وصل في الوضوح إلى حد لا يحتاج معه إلى غير بديهة العقل ، نبه هنا على أن ذلك معلوم طرأ عليه النسيان والغفلة ، حثاً على بذل الجهد في تأمل ذلك ، وإشارة إلى أن دلالته على المقصود في غاية الوضوح فقال : { لقوم يذكرون * } ولو لم يمعنوا - بما أفاده الإدغام ؛ والتذكر : طلب المعنى بالتفكر في متعلقه ، فلا بد من حضور معنى يطلب به غيره ، وقد رتب سبحانه ذلك أبدع ترتيب ، فذكر الأجسام المركبة عموماً ، ثم خص الحيوان ، ثم مطلق الجسم النامي وهو النبات ، ثم البسائط من الماء ونحوه ، ثم الأعراض من الألوان .