سورة القصص مكية وآياتها ثمان وثمانون
هذه السورة مكية ، نزلت والمسلمون في مكة قلة مستضعفة ، والمشركون هم أصحاب الحول والطول والجاه والسلطان . نزلت تضع الموازين الحقيقية للقوى والقيم ، نزلت تقرر أن هناك قوة واحدة في هذا الوجود ، هي قوة الله ؛ وأن هناك قيمة واحدة في هذا الكون ، هي قيمة الإيمان . فمن كانت قوة الله معه فلا خوف عليه ، ولو كان مجردا من كل مظاهر القوة ، ومن كانت قوة الله عليه فلا أمن له ولا طمأنينة ولو ساندته جميع القوى ؛ ومن كانت له قيمة الإيمان فله الخير كله ، ومن فقد هذه القيمة فليس بنافعه شيء أصلا .
ومن ثم يقوم كيان السورة على قصة موسى وفرعون في البدء ، وقصة قارون مع قومه - قوم موسى - في الختام . . الأولى تعرض قوة الحكم والسلطان . قوة فرعون الطاغية المتجبر اليقظ الحذر ؛ وفي مواجهتها موسى طفلا رضيعا لا حول له ولا قوة ، ولا ملجأ له ولا وقاية . وقد علا فرعون في الأرض ، واتخذ أهلها شيعا ، واستضعف بني إسرائيل ، يذبح أبناءهم ، ويستحيي نساءهم ، وهو على حذر منهم ، وهو قابض على أعناقهم . ولكن قوة فرعون وجبروته ، وحذره ويقظته ، لا تغني عنه شيئا ؛ بل لا تمكن له من موسى الطفل الصغير ، المجرد من كل قوة وحيلة ، وهو في حراسة القوة الحقيقية الوحيدة ترعاه عين العناية ، وتدفع عنه السوء ، وتعمي عنه العيون ، وتتحدى به فرعون وجنده تحديا سافرا ، فتدفع به إلى حجره ، وتدخل به عليه عرينه ، بل تقتحم به عليه قلب امرأته وهو مكتوف اليدين إزاءه ، مكفوف الأذى عنه ، يصنع بنفسه لنفسه ما يحذره ويخشاه !
والقصة الثانية تعرض قيمة المال ، ومعها قيمة العلم . المال الذي يستخف القوم وقد خرج عليهم قارون في زينته ، وهم يعلمون أنه أوتي من المال ما إن مفاتحه لتعيي العصبة من الرجال الأقوياء . والعلم الذي يعتز به قارون ، ويحسب أنه بسببه وعن طريقه أوتي ذلك المال . ولكن الذين أوتوا العلم الصحيح من قومه لا تستخفهم خزائنه ، ولا تستخفهم زينته ؛ بل يتطلعون إلى ثواب الله ، ويعلمون أنه خير وأبقى . ثم تتدخل يد الله فتخسف به وبداره الأرض ، لا يغني عنه ماله ولا يغني عنه علمه ؛ وتتدخل تدخلا مباشرا سافرا كما تدخلت في أمر فرعون ، فألقته في اليم هو وجنوده فكان من المغرقين .
لقد بغى فرعون على بني إسرائيل واستطال بجبروت الحكم والسلطان ؛ ولقد بغى قارون عليهم واستطال بجبروت العلم والمال . وكانت النهاية واحدة ، هذا خسف به وبداره ، وذلك أخذه اليم هو وجنوده . ولم تكن هنالك قوة تعارضها من قوى الأرض الظاهرة . إنما تدخلت يد القدرة سافرة فوضعت حدا للبغي والفساد ، حينما عجز الناس عن الوقوف للبغي والفساد .
ودلت هذه وتلك على أنه حين يتمحض الشر ويسفر الفساد ويقف الخير عاجزا والصلاح حسيرا ؛ ويخشى من الفتنة بالبأس والفتنة بالمال . عندئذ تتدخل يد القدرة سافرة متحدية ، بلا ستار من الخلق ، ولا سبب من قوى الأرض ، لتضع حد للشر والفساد .
وبين القصتين يجول السياق مع المشركين جولات يبصرهم فها بدلالة القصص - في سورة القصص - ويفتحأبصارهم على آيات الله المبثوثة في مشاهد الكون تارة ، وفي مصارع الغابرين تارة ، وفي مشاهد القيامة تارة . . وكلها تؤكد العبر المستفادة من القصص ، وتساوقها وتتناسق معها ؛ وتؤكد سنة الله التي لا تتخلف ولا تتبدل على مدار الزمان . وقد قال المشركون لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : " إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا " . فاعتذروا عن عدم اتباعهم الهدى بخوفهم من تخطف الناس لهم ، لو تحولوا عن عقائدهم القديمة التي من أجلها يخضع الناس لهم ، ويعظمون البيت الحرام ويدينون للقائمين عليه .
فساق الله إليهم في هذه السورة قصة موسى وفرعون ، تبين لهم أين يكون الأمن وأين تكون المخافة ؛ وتعلمهم أن الأمن إنما يكون في جوار الله ، ولو فقدت كل أسباب الأمن الظاهرة التي تعارف عليها الناس ؛ وأن الخوف إنما يكون في البعد عن ذلك الجوار ولو تظاهرت أسباب الأمن الظاهرة التي تعارف عليها الناس ! وساق لهم قصة قارون تقرر هذه الحقيقة في صورة أخرى وتؤكدها .
وعقب على مقالتهم ( أو لم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ? ولكن أكثرهم لا يعلمون ) . . يذكرهم بأنه هو الذي آمنهم من الخوف فهو الذي جعل لهم هذا الحرم الآمن ؛ وهو الذي يديم عليهم أمنهم ، أو يسلبهم إياه ؛ ومضى ينذرهم عاقبة البطر وعدم الشكر : ( وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا ، وكنا نحن الوارثين ) .
ويخوفهم عاقبة أمرهم بعد أن أعذر إليهم وأرسل فيهم رسولا . وقد مضت سنة الله من قبل بإهلاك المكذبين بعد مجيء النذير : ( وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا ، وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون ) .
ثم يعرض عليهم مشهدهم يوم القيامة حين يتخلى عنهم الشركاء على رؤوس الأشهاد ؛ فيبصرهم بعذاب الآخرة بعد أن حذرهم عذاب الدنيا ؛ وبعد أن علمهم أين يكون الخوف وأين يكون الأمان .
وتنتهي السورة بوعد من الله لرسوله الكريم وهو مخرج من مكة مطارد من المشركين بأن الذي فرض عليه القرآن لينهض بتكاليفه ، لا بد راده إلى بلده ، ناصره على الشرك وأهله . وقد أنعم عليه بالرسالة ولم يكن يتطلع إليها ؛ وسينعم عليه بالنصر والعودة إلى البلد الذي أخرجه منه المشركون . سيعود آمنا ظافرا مؤيدا . وفي قصص السورة ما يضمن هذا ويؤكده . فقد عاد موسى - عليه السلام - إلى البلد الذي خرج منه خائفا طريدا . عاد فأخرج معه بني إسرائيل واستنقذهم ، وهلك فرعون وجنوده على أيدي موسى وقومه الناجين . .
ويختم هذا الوعد ويختم السورة معه بالإيقاع الأخير :
( ولا تدع مع الله إلها آخر ، لا إله إلا هو ، كل شيء هالك إلا وجهه ، له الحكم ، وإليه ترجعون ) .
هذا هو موضوع السورة وجوها وظلالها العامة ، فلنأخذ في تفصيل أشواطها الأربعة : قصة موسى . والتعقيب عليها . وقصة قارون . وهذا الوعد الأخير . . .
طا . سين . ميم . . تلك آيات الكتاب المبين . .
تبدأ السورة بهذه الأحرف للتنبيه إلى أنه من مثلها تتألف آيات الكتاب المبين ، البعيدة الرتبة ، المتباعدة المدى بالقياس لما يتألف عادة من هذه الأحرف ، في لغة البشر الفانين :
مكية إلا من آية 52 إلي 55 فمدنية وآية 85 فبالجحفة أثناء الهجرة وآياتها 88 نزلت بعد النمل مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء ، وقال ابن عباس وقتادة إلا آية نزلت بين مكة والمدينة وقال ابن سلام : بالجحفة في وقت هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وهي قوله عز وجل : " إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد " [ القصص : 85 ] وقال مقاتل : فيها من المدني " الذين آتيناهم الكتاب " [ البقرة : 121 ] إلى قوله : " لا نبتغي الجاهلين " [ القصص : 55 ] وهي ثمان وثمانون آية .
هذه السورة مكية كلها . وقيل : مكية باستثناء آية واحدة فمدنية .
والسورة مثل كثير من السور وغيرها ، في الحديث عن أخبار النبيين المرسلين الذين بعثهم الله في أمم شتى ، يدعونهم إلى توحيد الله وإفراده بالألوهية والربوبية ، وإلى نبذ الأوثان والأنداد الموهومة المفتراة ظلما وسفاهة ، وفي طليعة ذلك كله تأتي قصة موسى عليه السلام لتحتل بها مساحة كبيرة من التبيين والتفصيل بدءا بولادة موسى والتقاط آل فرعون له ، ثم استبقاؤه حيا ليكون قرة عين لفرعون وامرأته المؤمنة . لكنه كان مقدورا في علم الله المكنون أن يكون هذا المولود من بني إسرائيل سببا في هلاك فرعون وقومه المجرمين والظالمين ؛ وذلك بعد أن خرج إلى مدين هاربا من فرعون وجنوده حتى استقر به المقام لدى شعيب الذي استأجره ثماني حجج أو أكثر لينكحه إحدى ابنتيه . وبعد إتمام المدة التي اتفقا عليها ، كرّ موسى راجعا بأهله إلى مصر . وفي طريقهما ألفيا نارا متأججة ، فحسب موسى أن يجد عندها من يهديه وزوجه السبيل ؛ إذ ضلا الطريق ، فضلا عن أخذ جذوة من النار للاصطلاء ، لكنه بوغت بالصوت المذهل يهتف به مدويا { يا موسى إني أنا الله رب العالمين } فأمره ربه عقب ذلك أن يبادر الذهاب إلى فرعون ؛ لتبليغه رسالة ربه دون خوف أو تردد . لكن فرعون طغى وعتا واستكبر ، فأخذه الله وجنوده في البحر أخذ عزيز مقتدر . إلى غير ذلك من المواعظ والحقائق والأخبار والعبر مما نبينه في حينه تفصيلا بمشيئة الله وتوفيقه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.