في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَٱللَّهُ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَسۡمَعُونَ} (65)

51

وعند هذا الحد يأخذ السياق في استعراض آيات الألوهية الواحدة فيما خلق الله في الكون ، وفيما أودع الإنسان من صفات واستعدادات ، وفيما وهبه من نعم وآلاء ، مما لا يقدر عليه أحد إلا الله

وقد ذكر في الآية السابقة إنزال الكتاب - وهو خير ما أنزل الله للناس وفيه حياة الروح - فهو يتبعه بإنزال الماء من السماء ، وفيه حياة الأجسام :

( والله أنزل من السماء ماء ، فأحيا به الأرض بعد موتها . إن في ذلك لآية لقوم يسمعون )

والماء حياة كل حي : والنص يجعله حياة للأرض كلها على وجه الشمول لكل ما عليها ومن عليها . والذي يحول الموت إلى حياة هو الذي يستحق أن يكون إلها : إن في ذلك لآية لقوم يسمعون فيتدبرون ما يسمعون . فهذه القضية . قضية آيات الألوهية ودلائلها من الحياة بعد الموت ذكرها القرآن كثيرا ووجه الأنظار إليها كثيرا ، ففيها آية لمن يسمع ويعقل ويتدبر ما يقال .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَٱللَّهُ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَسۡمَعُونَ} (65)

قوله تعالى : " والله أنزل من السماء " ، أي : السحاب . " ماء فأحيا به الأرض بعد موتها " ، عاد الكلام إلى تعداد النعم وبيان كمال القدرة . " إن في ذلك لآية " ، أي : دلالة على البعث على وحدانيته ؛ إذ علموا أن معبودهم لا يستطيع شيئا ، فتكون هذه الدلالة " لقوم يسمعون " ، عن الله تعالى بالقلوب لا بالآذان ، " فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور{[9919]} " [ الحج : 46 ] .


[9919]:راجع ج 12 ص 76.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَٱللَّهُ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَسۡمَعُونَ} (65)

ولما انقضى الدليل على أن قلوبهم منكرة استكباراً وما يتعلق به ، وختمه بما أحيا به القلوب بالإيمان والعلم ، بعد موتها بالكفر والجهل ، وكان المقصود الأعظم من القرآن تقرير أصول أربعة : الإلهيات ، والنبوات ، والمعاد ، وإثبات القضاء والقدر والفعل بالاختيار ، وكان أجل هذه المقاصد الإلهيات ، شرع في أدلة الوحدانية والقدرة والفعل بالاختيار ، المستلزم للقدرة على البعث على وجه غير المتقدم ؛ ليعلم أن أدلة ذلك أكثر من أوراق الأشجار ، وأجلى من ضياء النهار ، فعطف على قوله : { والله يعلم ما تسرون وما تعلنون } ، قوله جامعاً في الدليل بين العالم العلوي والعالم السفلي : { والله } ، أي : الذي له الأمر كله ، { أنزل من السماء } ، في الوقت الذي يريده ، { ماء } ، بالمطر والثلج والبرد ، { فأحيا به الأرض } الغبراء . ولما كانت عادته بذلك مستمرة ، وكان السياق لإثبات دعائم الدين ، وكان الإحياء بالماء لا يزال أثره قائماً في زرع أو شجر في بعض الأراضي ، أعرى الظرف من الجار ؛ لأن المعنى به أبلغ فقال : { بعد موتها } ، باليبوسة والجدب وتفتت النبات أصلاً ورأساً .

ولما كان ما أقامه على ذلك في هذه السورة من الأدلة قد صار إلى حد لا يحتاج معه السامع العاقل إلى أكثر من السماع ، قال تعالى : { إن في ذلك } ، الماء المؤثر بتدبيره هذا الأثر العظيم ، { لآية لقوم يسمعون * } ، هذا التنبيه في هذا الأسلوب المتضمن لما مضى من التشبيه ، فيعلمون أنه ينزل من أمره ما يريده ، فيحيي به أجساد العباد بعد موتها ، كما أحيا أجساد النبات بالماء بعد موتها ، وأرواح الأشباح بالعلم بعد موتها ، والحاصل أن هذه الأدلة لا تحتاج مع الحس إلى كبير عمل بالقلب غير الانقياد إلى الحق ، وترك العناد والجهل ، فهو من سماع الأذن ، وما ينشأ عنه من الإجابة ، استعمالاً للشيء في حقيقته ومجازه ، ولعله لم يختمها ب " يبصرون " لئلا يظن أن ذلك من البصيرة ، فيظن أنه يحتاج فيها إلى كبير فكر ، فيفوت ما أريد من الإشارة إلى شدة الوضوح .