في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖ فَأَبَىٰٓ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورٗا} (89)

73

( ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا . وقالوا : لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا ؛ أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا ؛ أو تسقط السماء - كما زعمت - علينا كسفا ؛ أو تأتي بالله والملائكة قبيلا ؛ أو يكون لك بيت من زخرف ؛ أو ترقى في السماء . ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه ) .

وهكذا قصر إدراكهم عن التطلع إلى آفاق الإعجاز القرآنية ، فراحوا يطلبون تلك الخوارق المادية ، ويتعنتون في اقتراحاتهم الدالة على الطفولة العقلية ، أو يتبجحون في حق الذات الإلهية بلا أدب ولا تحرج . . لم ينفعهم تصريف القرآن للأمثال والتنويع فيها لعرض حقائقه في أساليب شتى تناسب شتى العقول والمشاعر ، وشتى الأجيال والأطوار . ( فأبى أكثر الناس إلا كفورا ) .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖ فَأَبَىٰٓ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورٗا} (89)

قوله تعالى : " ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل " أي وجهنا القول فيه بكل مثل يجب به الاعتبار ، من الآيات والعبر والترغيب والترهيب ، والأوامر والنواهي وأقاصيص الأولين ، والجنة والنار والقيامة . " فأبى أكثر الناس إلا كفورا " يريد أهل مكة ، بين لهم الحق وفتح لهم وأمهلهم حتى تبين لهم أنه الحق ، فأبوا إلا الكفر وقت تبين الحق . قال المهدوي : ولا حجة للقدري في قولهم : لا يقال أبى إلا لمن أبى فعل ما هو قادر عليه ؛ لأن الكافر وإن كان غير قادر على الإيمان بحكم الله عليه بالإعراض عنه وطبعه على قلبه ، فقد كان قادرا وقت الفسحة والمهلة على طلب الحق وتمييزه من الباطل .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖ فَأَبَىٰٓ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورٗا} (89)

ولما تمت هذه الجمل على هذا الوجه الجميل ، والوصف الجليل ، نبه على ذلك سبحانه بقوله عطفاً على نحو : صرفنا هذه الأمثال كما ترون على أعلى منهاج وأبلغ سياق في أبدع انتظام : { ولقد صرفنا } أي رددنا وكررنا تكريراً كثيراً بما لنا من العظمة ، ولما كان مبنى السورة على بيان العناية بالناس الذين اتقوا والذين هم محسنون ، اقتضى المقام لمزيد الاهتمام تقديم قوله تعالى : { للناس } أي الذين هم ناس { في هذا القرءان } الهادي للتي هي أقوم { من كل مثل } أي من كل ما هو في غرابته وسيره في أقطار الأرض وبلاغته ووضوحه ورشاقته كالمثل الذي يجب الاعتبار به ؛ والتصريف : تصيير المعنى دائراً في الجهات المختلفة بالإضافة والصفة والصلة ونحو ذلك { فأبى } أي فتسبب عن ذلك الذي هو سبب للشفاء والشكر والهدى ، تصديقاً لقولنا { ولا يزيد الظالمين إلا خساراً } أنه أبى { أكثر الناس } وهم من هم في صورة الناس وقد سلبوا معانيهم .

ولما كان " أبى " متأولاً بمعنى النفي ، فكان المعنى : فلم يرضوا مع الكبر والشماخة ، استقبله بأداة الاستثناء فقال تعالى : { إلا كفوراً * } لما لهم من الاضطراب .