وكما أن الروح من الأسرار التي اختص الله بها فالقرآن من صنع الله الذي لا يملك الخلق محاكاته ، ولا يملك الإنس والجن - وهما يمثلان الخلق الظاهر والخفي - أن يأتوا بمثله ، ولو تظاهروا وتعاونوا في هذه المحاولة :
( قل : لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ) . فهذا القرآن ليس ألفاظا وعبارات يحاول الإنس والجن أن يحاكوها . إنما هو كسائر ما يبدعه الله يعجز المخلوقون أن يصنعوه . هو كالروح من أمر الله لا يدرك الخلق سره الشامل الكامل ، وإن أدركوا بعض أوصافه وخصائصه وآثاره .
والقرآن بعد ذلك منهج حياة كامل . منهج ملحوظ فيه نواميس الفطرة التي تصرف النفس البشرية في كل أطوارها وأحوالها ، والتي تصرف الجماعات الإنسانية في كل ظروفها وأطوارها . ومن ثم فهو يعالج النفس المفردة ، ويعالج الجماعة المتشابكة ، بالقوانين الملائمة للفطرة المتغلغلة في وشائجها ودروبها ومنحنياتها الكثيرة . يعالجها علاجا متكاملا متناسق الخطوات في كل جانب ، في الوقت الواحد ، فلا يغيب عن حسابه احتمال من الاحتمالات الكثيرة ولا ملابسة من الملابسات المتعارضة في حياة الفرد وحياة الجماعة . لأن مشرع هذه القوانين هو العليم بالفطرة في كل أحوالها وملابساتها المتشابكة .
أما النظم البشرية فهي متأثرة بقصور الإنسان وملابسات حياته . ومن ثم فهي تقصر عن الإحاطة بجميع الاحتمالات في الوقت الواحد ؛ وقد تعالج ظاهرة فردية أو اجتماعية بدواء يؤدي بدوره إلى بروز ظاهرة أخرى تحتاج إلى علاج جديد !
إن إعجاز القرآن أبعد مدى من إعجاز نظمه ومعانيه ، وعجز الإنس والجن عن الإتيان بمثله هو عجز كذلك عن إبداع منهج كمنهجه يحيط بما يحيط به .
أي عونا ونصيرا ، مثل ما يتعاون الشعراء على بيت شعر فيقيمونه . نزلت حين قال الكفار : لو نشاء لقلنا مثل هذا ، فأكذبهم الله تعالى . وقد مضى القول في إعجاز القرآن في أول الكتاب{[10384]} والحمد لله . و " لا يأتون " جواب القسم في " لئن " وقد يجزم على إرادة الشرط . قال الشاعر :
لئن كان ما حُدِّثْتَهُ اليوم صادقا *** أقم{[10385]} في نهار القيظ للشمس باديا
ولما كان بمعرض أن يقولوا : إن ذهب عليك منه شيء فائت بمثله من عند نفسك ومما اكتسبته منه من الأساطير ، أمره أن يجيبهم عن هذا بقوله دلالة على مضمون ما قبله : { قل } .
ولما أريد هنا المماثلة في كل التفصيل إلى جميع السور في المعاني الصادقة ، والنظوم الرائقة ، كما دل عليه التعبير بالقرآن ، زاد في التحدي قيد الاجتماع من الثقلين وصرف الهمم للتظاهر والتعاون والتظافر بخلاف ما مضى في السور السابقة ، فقال تعالى مؤكداً باللام الموطئة للقسم لادعائهم أنهم لو شاؤوا أتوا بمثله ، والجواب حينئذ للقسم ، وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب القسم : { لئن اجتمعت الإنس } الذين تعرفونهم وتعرفون ما أتوا من البلاغة والحكمة والذين لا تعرفونهم ، وقدمهم لسهولة اجتماعهم بهم ولأنهم عندهم الأصل في البلاغة { والجن } الذين يأتون كهانكم ويشجعون لهم ويعلمونهم ببعض المغيبات عنهم ، وترك الملائكة لأنهم لا عهد لهم بشيء من كلامهم { على أن يأتوا } أي يجددوا إيتاءً ما في وقت ما في حال اجتماعهم { بمثل هذا القرآن } أي جميعه على ما هو عليه من التفصيل ، وخصه بالإشارة تنبيهاً على أن ما يقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الله وحي من الله ، ليس فيه شيء من عند نفسه ، وأن المراد في هذا السياق المتحدى به الذي اسمه القرآن خاصة { لا يأتون } .
ولما كانت هذه السورة مكية ، فكان أكثر ما يمكن في هذه الآية أن يكون آخر المكي فيختص التحدي به ، وكان المظهر إذا أعيد مضمراً أمكن فيه الخصوص ، وكان المراد إنما هو الشمول ، ومتى أريد الشمول استؤنف له إحاطة باستئناف إظهار محيط كما يأتي عن الحرالي في أواخر سورة الكهف ، لم يقل هنا " به " لذلك ، ولئلا يظن أنه يعود على القرآن لا على مثله ، بل أظهر فقال دالاً على أن المراد جميع المكي والمدني : { بمثله } أي لا مع التقيد بمعانيه الحقة الحكيمة حتى يأتوا بكلام في أعلى طبقات البلاغة ، مبيناً لأحسن المعاني بأوضح المباني ، ولا مع الانفكاك عنها إلى معانٍ مفتراة ؛ ثم أوضح أن المراد الحكم لعجزهم مجتمعين ومنفردين متظاهرين وغير متظاهرين فقال تعالى : { ولو } ولما كان المكلفون مجبولين على المخالفة وتنافي الأغراض قال تعالى : { كان } أي جبلة وطبعاً على خلاف العادة { بعضهم لبعض ظهيراً * } أي معيناً بضم أقوى ما فيه إلى أقوى ما في صاحبه ، وقد تقدم في السور المذكور فيها التحدي ما يتم هذا المعنى .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.