فأما الصورة الحية أو المشهد المتحرك فترسمه الآية الأخيرة ، في شريط متحرك دقيق :
( وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض : هل يراكم من أحد ? ثم انصرفوا . صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون ! ) .
وإننا - حين نتلو الآية - لنستحضر مشهد هؤلاء المنافقين وقد نزلت سورة . فإذا بعضهم ينظر إلى بعض ويغمز غمزة المريب :
ثم تلوح لهم غرة من المؤمنين وانشغال فإذا هم يتسللون على أطراف الأصابع في حذر :
تلاحقهم من العين التي لا تغفل ولا تنشغل دعوة قاصمة تناسب فعلتهم المريبة :
صرفها عن الهدى فإنهم يستحقون أن يظلوا في ضلالهم يعمهون : ( بأنهم قوم لا يفقهون )
عطلوا قلوبهم عن وظيفتها فهم يستحقون !
إنه مشهد كامل حافل بالحركة ترسمه بضع كلمات ، فإذا هو شاخص للعيون كأنها تراه !
قوله تعالى : " وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض " " ما " صلة ، والمراد المنافقون ، أي إذا حضروا الرسول وهو يتلو قرآنا أنزل فيه فضيحتهم أو فضيحة أحد منهم جعل ينظر بعضهم إلى بعض نظر الرعب على جهة التقرير ، يقول : هل يراكم من أحد إذا تكلمتم بهذا فينقله إلى محمد ، وذلك جهل منهم بنبوته عليه السلام ، وأن الله يطلعه على ما يشاء من غيبه . وقيل إن " نظر " في هذه الآية بمعنى أنبأ . وحكى الطبري عن بعضهم أنه قال : " نظر " في هذه الآية موضع قال .
قوله تعالى : " ثم انصرفوا " أي انصرفوا عن طريق الاهتداء . وذلك أنهم حينما بين لهم كشف أسرارهم والإعلام بمغيبات أمورهم يقع لهم لا محالة تعجب وتوقف ونظر ، فلو اهتدوا لكان ذلك الوقت مظنة لإيمانهم ، فهم إذ يصممون على الكفر ويرتبكون{[8400]} فيه كأنهم انصرفوا عن تلك الحال التي كانت مظنة النظر الصحيح والاهتداء ، ولم يسمعوا قراءة النبي صلى الله عليه وسلم سماع من يتدبره وينظر في آياته ؛ " إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون{[8401]} " [ الأنفال : 22 ] . " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها{[8402]} " [ محمد : 24 ] .
قوله تعالى : { صرف الله قلوبهم } فيه ثلاث مسائل :
الأولى - قوله تعالى : " صرف الله قلوبهم " دعاء عليهم ، أي قولوا لهم هذا . ويجوز أن يكون خبرا عن صرفها عن الخير مجازاة على فعلهم . وهي كلمة يدعي بها ، كقوله : " قاتلهم الله " [ التوبة : 30 ] والباء في قوله : " بأنهم " صلة ل " صرف " .
الثانية - قال ابن عباس : يكره أن يقال انصرفنا من الصلاة ؛ لأن قوما انصرفوا فصرف الله قلوبهم ، ولكن قولوا قضينا الصلاة ، أسنده الطبري عنه . قال ابن العربي : وهذا فيه نظر وما أظنه بصحيح فإن نظام الكلام أن يقال : لا يقل أحد انصرفنا من الصلاة ، فإن قوما قيل فيهم : " ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم " .
أخبرنا محمد بن عبدالملك القيسي الواعظ حدثنا أبو الفضل الجوهري سماعا منه يقول : كنا في جنازة فقال المنذر بها : انصرفوا رحمكم الله فقال : لا يقل أحد انصرفوا فإن الله تعالى قال في قوم ذمهم : " ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم " ولكن قولوا : انقلبوا رحمكم الله فإن الله تعالى قال في قوم مدحهم : " فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم{[8403]} سوء " [ آل عمران : 174 ] .
الثالثة - أخبر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية أنه صارف القلوب ومصرفها وقالبها ومقلبها ، ردا على القدرية في اعتقادهم أن قلوب الخلق بأيديهم وجوارحهم بحكمهم ، يتصرفون بمشيئتهم ويحكمون بإراداتهم واختيارهم ؛ ولذلك قال مالك فيما رواه عنه أشهب : ما أبين هذا في الرد على القدرية " لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم " [ التوبة : 110 ] . وقوله عز وجل لنوح : " أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن{[8404]} " [ هود : 36 ] فهذا لا يكون أبدا ولا يرجع ولا يزول .
ولما ذكر ما يحدث منهم من القول استهزاء ، أتبعه تأكيداً لزيادة كفرهم وتوضيحاً{[37459]} لتصويره ما يحدث من فعلهم استهزاء من الإيمان والتغامز{[37460]} بالعيون فقال { وإذا } وأكد بالنافي فقال : { ما } ولما كان الغرض نفس الإنزال لا تعيين المنزل ، بني للمفعول قوله { أُنزلت سورة } أي طائفة من القرآن { نظر بعضهم } أي المنافقين { إلى بعض } أي متغامزين سخرية واستهزاء قائلين : { هل يراكم } وأكدوا العموم فقالوا : { من أحد } أي من المؤمنين إن انصرفتم ، فإنه يشق علينا سماع مثل هذا ، ويشق علينا{[37461]} أن يطلع المؤمنون على هذا السر منا .
ولما كان انصرافهم عن مثل{[37462]} هذا المقام مستهجناً ، أشار إلى شدة قبحه بأداة التراخي فقال : { ثم انصرفوا } أي إن لم يكن أحد يراهم ، وإن رآهم أحد من المؤمنين تجشموا المشقة وثبتوا ؛ ولما كانوا مستحقين لكل سوء ، أخبر عنهم في أسلوب الدعاء بقوله : { صرف الله } أي الذي له الغنى المطلق والكمال كله { قلوبهم } أي عن الإيمان ؛ ثم علل ذلك بقوله : { بأنهم قوم } وإن كانوا ذوي قوة على ما يحاولونه فإنهم { لا يفقهون* } أي قلوبهم مجبولة على عدم الفهم لما بها من الغلظة ، وهذا دليل على ختام الآية قبلها ، وهاتان الآيتان المختتمتان - ب { لا يفقهون } التاليتان للأمر بالجهاد في قوله { قاتلوا الذين يلونكم من الكفار } الموازي - { انفروا خفافاً وثقالاً } الآية - قد احتوتا مع وجازتهما على حاصل أوصاف المنافقين التالية لآية { انفروا } المختتم ما هو العام منها في أهل الحاضرة{[37463]} في قوله { استأذنك أولوا الطول منهم } ب { يفقهون } ثم عند إعادة ذكرهم ب { لا يعلمون } وتصويب هاتين الآيتين إلى أهل الحاضرة{[37464]} ظاهر لكونهم ممن يحضر نزول الذكر كثيراً مع احتمالهما للعموم ، والختم هنا ب { لا يفقهون } أنسب لأن المقام - وهو النظر في زيادة الإيمان بالنسبة إليهم - يقتضي فكراً وتأملاً وإن كان بالنظر إلى المؤمنين في غاية الوضوح .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.