( مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع . هل يستويان مثلا ؟ ) . .
صورة حسية تتجسم فيها حالة الفريقين . والفريق الأول كالأعمى لا يرى وكالأصم لا يسمع - والذي يعطل حواسه وجوارحه عن الغاية الكبرى منها ، وهي أن تكون أدوات موصلة للقلب والعقل ، ليدرك ويتدبر فكأنما هو محروم من تلك الجوارح والحواس - والفريق الثاني كالبصير يرى وكالسميع يسمع ، فيهديه بصره وسمعه .
سؤال بعد الصورة المجسمة لا يحتاج إلى إجابة لأنها إجابة مقررة .
فالقضية في وضعها هذا لا تحتاج إلى أكثر من التذكر . فهي بديهية لا تقتضي التفكير . .
وتلك وظيفة التصوير الذي يغلب في الأسلوب القرآني في التعبير . . أن ينقل القضايا التي تحتاج لجدل فكري إلى بديهيات مقررة لا تحتاج إلى أكثر من توجيه النظر والتذكير . .
مثل الكافر في كفره كالأعمى والأصم ، ومَثْلُ المؤمن في إيمانه كالسميع والبصير- هذا بيان التفسير .
والإشارة فيه أن الأعمى مَنْ عَمِيَ عن الإبصار بِسرِّه ، والأصمُّ الذي طَرِش بسَمْع قلبه ؛ فلا باستدلاله شَهِدَ سر تقديره في أفعاله ، ولا بنور فراسةٍ توهم ما وقف عليه من مكاشفات الغيب لقلبه ، ولا بسَمْع القبولِ استجابَ لدواعي الشريعة ، ولا بِحُكْم الإنصاف انْقَادَ لما يتوجَّب عليه من مطالبات الوقت مما يلوح لِسرِّه من تلويحات الحقيقة .
وأما البصير فهو الذي يشهد من الحق أفعاله بعلم اليقين ، ويشهد صفاته بعين اليقين ، ويشهد ذاته بحق اليقين ، والغائبات له حضور ، والمستورات له كشف . فالذي يسمع فَصِفَتُه ألا يسمعَ هواجسَ النَّفْس ولا وساوس الشيطان ؛ فيسمع من دواعي العلم شرعاً ، ثم من خواطر التعريف قدراً ، ثم يكاشف بخطاب من الحق سِرَّا8 .
فهؤلاء لا يستويان ، ولا في طريق يلتقيان :
راحَتْ مُشَرِّقةً ورُحْتُ مُغَرباً *** فمتى التقاءُ مُشَرِّقٍ ومُغَرِّبِ ؟ !
مثل الفريقين : أي : المؤمن والكافر .
كالأعمى والأصم : فالكافر أعمى عن رؤية الحق ، أصم ، أطرش لا يسمع الحق .
والبصير والسميع : هذا مثل المؤمن .
هل يستويان مثلا : هل يستويان تمثيلا وحالا .
أفلا تذكرون : أي : أفلا تتذكرون ، حذف إحدى التاءين ؛ تخفيفا .
24 { مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } .
أي : صفة الفريقين المذكورين اللذين وصفا سابقا ، وهم الكفار بالشقاء ، والمؤمنون بالسعادة ، كمثل الأعمى الأصم ، والسميع البصير ، الكافر : مثل الأعمى ؛ لتعاميه عن وجه الحق في الدنيا والآخرة ؛ ومثل الأصم ؛ لعدم سماع الحجج فلا يسمع ما ينتفع به ؛ لقد أغلق مفاتيح قلبه ، وتركه مظلما لا يسمع الهدى ، ولا يبصر نور الحق حتى فاجأه الموت فرأى الخسران المبين ، ورأى جهنم تتلظى ؛ غيظا على من عصى الله تعالى .
أما المؤمن فهو الذي يبصر آيات الله في هذا الكون ، ويتأمل دلائل قدرة الله ، ويسمع صوت الحي ، والقرآن في تدبر وتأمل ؛ فيخشع قلبه ويزداد حيا لخالقه ورضي عنه ؛ فإذا جاء في الآخرة وجد رضوان الله ونعيم الجنة ، فلا يستوي هذا وذاك صفة وحالا ومالا .
{ أفلا تذكرون } . وتعتبرون ؛ فيسارع الكافر إلى الإيمان قبل فوات الأوان .
قال تعالى : { لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ } . ( الحشر : 20 ) .
وقال سبحانه : { وما يستوي الأعمى والبصير * ولا الظلمات ولا النور * ولا الظل ولا الحرور * وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور } . ( فاطر : 19 22 ) .
وفي ختام هذا الحديث المتنوع عن أدلة الوحدانية ، وعن إعجاز القرآن الكريم ، وعن حسن عاقبة المؤمنين وعن سوء عاقبة المكذبين ؛ ساق القرآن قصصا عن أنبياء الله ورسله ، استغرق معظم السورة ، وفي هذا القصص نماذج عملية على جهاد المرسلين ، وحسن عاقبة المؤمنين ، وهلاك الظالمين ؛ ففيه تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم ، وتثبيت للمؤمنين ، نجد ذلك في قصة نوح ، ثم قصة هود ، وقصة صالح ، وقصة إبراهيم ، وقصة لوط ، وقصة شعيب ، وقصة موسى عليهم السلام .
وردت قصة نوح في سور متعددة ، منها : سورة الأعراف ، وسورة المؤمنون ، وسورة نوح ، إلا أنها وردت هنا في سورة هود بصورة أكثر تفصيلا .
وسورة هود نزلت بعد سورة يونس ، وسورة يونس نزلت بعد سورة الإسراء ، وكان الإسراء قبل الهجرة بسنة وشهرين ، وذلك يوضح الفترة التي نزلت فيها سورة هود ، إنها الفترة التي مات فيها أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم ، وماتت فيها زوجته خديجة ، وقد سمى الرسول صلى الله عليه وسلم عام وفاتها : عام الحزن ؛ ذلك أن قريشا لم تستطع أن تنال من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلا بعد أن مات عمه أبو طالب ، وكان أبو طالب هو الوحيد في قومه الذي يحميه ويدافع عنه .
كانت سورة هود ، رسالة تشد أزر الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ ففي مقدمتها عرض يسير للدعوة الإسلامية ؛ وأصناف الناس أمامها ، وتثبيت لقلب الرسول صلى الله عليه وسلم ، ثم يأتي قصص الأنبياء حسب التسلسل التاريخي ، نوح ثم هود ، ثم صالح ، ثم إبراهيم ، ثم لوط ، ثم شعيب ، كما تحدثت عن جانب من قصة موسى عليه السلام .
وجميع هؤلاء الرسل كان لهم جهاد وجلاد ومناقشة مع أقوالهم ؛ وتحمل لألوان من العذاب والاضطهاد وفي الخاتمة ينصر الله المؤمنين ويهلك الكافرين .
أرسل الله نوحا إلى قومه فوجد أنهم يعبدون الأصنام ، وكانت في الأصل صورا لقوم صالحين وتماثيل لهم ؛ أراد القوم أن يتذكروهم ويقتدوا بهم ، فلما طال العهد عبدوهم ، وتقربوا إليهم ، وهم : ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر ، وفي قصة نوح بلاء نوح مع ابنه ، ودعوته له إلى الإيمان ، وإعراض الابن عن دعوة نوح ، ومجيء الطوفان ، وغرق الابن ، ودعاء نوح لربه حتى ينجيه ، ثم توضيح الله سبحانه بأن هذا الابن لا يستحق نجاة ؛ لأنه عمل عملا غير صالح ، ويعود نوح إلى يقينه وطمأنينته ، ويستعيذ بالله مما سبق ، ويطلب من الله المغفرة والرحمة ، ويستجيب الله دعائه ، و يهيئ له سبل النجاة وسلامة الإقامة .
وفي هذا القصص وأمثاله عبرة وعظة ، وتصديق لما ورد منه في التوراة والإنجيل ، وتفصيل لتاريخ الرسل وكفاحهم ، وتسجيل لجهادهم ، وتسرية لقلب الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتثبيت للمؤمنين ، وتبصير للكافرين .
{ مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلا تَذَكَّرُونَ ( 24 ) }
مثل فريقَي الكفر والإيمان كمثل الأعمى الذي لا يرى والأصم الذي لا يسمع والبصير والسميع : ففريق الكفر لا يبصر الحق فيتبعه ، ولا يسمع داعي الله فيهتدي به ، أما فريق الإيمان فقد أبصر حجج الله وسمع داعي الله فأجابه ، هل يستوي هذان الفريقان ؟ أفلا تعتبرون وتتفكرون ؟