ثم يوجه طلاب الخوارق إلى آيات الله الحاضرة التي ينسون وجودها بطول الألفة . وهي لو تدبروها بعض هذه الخوارق التي يطلبون وهي شاهدة كذلك بالألوهية لبطلان أي ادعاء بأن أحداً غير الله خلقها ، وأي ادعاء كذلك بأنها خلقت بلا خالق مدبر مريد :
( الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ، ومنها تأكلون . ولكم فيها منافع ، ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم ، وعليها وعلى الفلك تحملون . ويريكم آياته ، فأي آيات الله تنكرون ? ) . .
وخلق هذه الأنعام ابتداء آية خارقة كخلق الإنسان فبث الحياة فيها وتركيبها وتصويرها كلها خوارق ، لا يتطاول الإنسان إلى ادعائها ! وتذليل هذه الأنعام وتسخيرها للإنسان ، وفيها ما هو أضخم منه جسماً وأشد منه قوة ، وهو جعلها : ( الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ، ومنها تأكلون . . . ) . وهذه لا يستحق الاحترام أن يقول قائل : إنها هكذا وجدت والسلام ! وإنها ليست خارقة معجزة بالقياس إلى الإنسان ! وإنها لا تدل على الخالق الذي أنشأها وسخرها بما أودعها من خصائص وأودع الإنسان ! ومنطق الفطرة يقر بغير هذا الجدال والمراء .
ويذكرهم بما في هذه الآيات الخوارق من نعم كبار :
( لتركبوا منها ، ومنها تأكلون ) ، ( ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون ) . .
قوله جل ذكره : { اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ فَأَيَّ آَيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ } .
ذكّرهم عظيمَ إنعامه بتسخير الأنعام ؛ فقال جعلها لكم لتنتفعوا بها بالركوب والحمل والعمل ، ولتستقوا ألبانها ، ولتأكلوا لحومها وشحومَها ، ولتنتفعوا بأصوافها وأوبارها وأشعارها ، ولتقطعوا مسافة بعيدةً عليها . . فعلى الأنعام وفي الفُلْكِ تنتقلون من صقْعٍ إلى صُقعٍ . . وأنا الذي يَسَّرْتُ لكم هذا ، وأنا الذي ألهمتكم الانتفَاع به ؛ فثقُوا في ذلك واعرفوه .
{ الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون 79 ولكم فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون 80 ويريكم آياته فأي آيات الله تنكرون 81 }
الأنعام : الإبل والبقر والغنم والمعز .
79-{ الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون } .
يطلق بعض المفسرين الأنعام على الإبل وحدها ، ففيها منافع متعددة للركوب والأكل والاستفادة بأوبارها ، وحمل الأثقال عليها ، حتى قالوا : ( الجمل سفينة الصحراء ) ، وقد خلق الله الجمل حمولا صبورا ، يتحمل الجوع والعطش والمشي على الرمال في الصحراء .
وذكر بعض المفسرين أن الأنعام تطلق على الإبل والبقر والغنم والمعز ، وقد امتن الله بها علينا في الآيات من 142-144 من سورة الأنعام .
حيث قال تعالى : { ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين . . . } ( الأنعام : 143 ) .
وقال سبحانه : { ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين . . . } ( الأنعام : 144 ) .
وقريب من ذلك ما ورد في قوله تعالى : { والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون * ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون * وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرءوف رحيم } . ( النحل : 5-7 ) .
لقد كانت هذه الإبل هي الوسيلة الوحيدة في ذلك الوقت للانتقال من مفاوز الصحراء ، ولا تزال بعض الطرق الضيقة إلى الآن وكذلك المفاوز الرملية ، والمعابر الجبلية وأشباهها ، تعتمد على بعض الحيوانات في ارتيادها .
وقد أشار القرآن إلى استخدام الآلة في السير وفي غيره ، وذلك في قوله تعالى : { والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون } . ( النحل : 8 )
{ الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون } .
لقد سخر الله لكم الأنعام بجميع أصنافها ، حتى تستفيدوا بركوب بعضها ، والكل من بعضها ، فالإبل تُؤكل وتُركب ويُشرب لبنها ، وتُحمل عليها الأمتعة ، والبقر تؤكل ويشرب لبنها وينتفع بها في الحرث والسقي ، والغنم تؤكل ويشرب لبنها ، والجميع تتناسل وتجز أصوافها وأشعارها وأوبارها ، ويستفاد بذلك في الأثاث والثياب والأمتعة .
{ 79 - 81 } { اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ * وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ }
يمتن تعالى على عباده ، بما جعل لهم من الأنعام ، التي بها ، جملة من الإنعام :
منها : منافع الركوب عليها ، والحمل .
ومنها : منافع الأكل من لحومها ، والشرب من ألبانها .
ومنها : منافع الدفء ، واتخاذ الآلات والأمتعة ، من أصوافها ، وأوبارها وأشعارها ، إلى غير ذلك من المنافع .
{ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ( 79 ) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ( 80 ) }
الله سبحانه هو الذي جعل لكم الأنعام ؛ لتنتفعوا بها : من منافع الركوب والأكل وغيرها من أنواع المنافع ،
قوله تعالى : { اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ( 79 ) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ( 80 ) وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ فَأَيَّ آَيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ } .
يمنُّ الله على عباده أنه خلق لهم الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم { لِتَرْكَبُوا مِنْهَا } أي لتركبوا بعضا منها مما يصلح للركوب { وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } أي ولتأكلوا من بعضها مما يصلح للأكل . فالإبل تركب ويؤكل لحما ويحمل عليها الأثقال في الأسفار البعيدة وقطع المسافات النائية . والبقر يؤكل لحمها ويشرب لبنها ويحرث عليها الأرض . والغنم يؤكل لحمها ويشرب لبنها .