ذلك حكم القذف العام . ولكن استثني منه أن يقذف الرجل امرأته . فإن مطالبته بأن يأتي بأربعة شهداء فيه إرهاق له وإعنات . والمفروض ألا يقذف الرجل امرأته إلا صادقا لما في ذلك من التشهير بعرضه وشرفه وكرامة أبنائه . لذلك جعل لهذا النوع من القذف حكم خاص :
( والذين يرمون أزواجهم ، ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم . فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين . ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين ، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين . ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم ) . .
وفي هذه النصوص تيسير على الأزواج ، يناسب دقة الحالة وحرج الموقف . ذلك حين يطلع الزوج على فعلة زوجته ؛ وليس له من شاهد إلا نفسه . فعندئذ يحلف أربع مرات بالله إنه لصادق في دعواه عليها بالزنا ، ويحلف يمينا خامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين . وتمسى هذه شهادات لأنه الشاهد الوحيد . فإذا فعل أعطاها قدر مهرها ، وطلقت منه طلقة بائنة ، وحق عليها حد الزنا وهو الرجم . . ذلك إلا أن ترغب في درء الحد عنها فإنها عندئذ تحلف بالله أربع مرات أنه كاذب عليها فيما رماها به ؛ وتحلف يمينا خامسة بأن غضب الله عليها إن كان صادقا وهي كاذبة . . بذلك يدرأ عنها الحد ، وتبين من زوجها بالملاعنة ؛ ولا ينسب ولدها - إن كانت حاملا - إليه بل إليها . ولا يقذف الولد ومن يقذفه يحد . .
{ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ( 6 ) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ( 7 ) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ ( 8 ) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 9 ) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ( 10 ) } .
6 ، 7 ، 8 ، 9 ، 10 - وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ . . . الآيات .
يرمون أزواجهم : يقذفونهن بالريبة وتهمة الزنا .
غضب الله : سخطه والبعد عن فضله وإحسانه .
تعددت روايات أسباب نزول آيات اللعان ، ويمكن أن يجمع بينها بتعدد السبب والنازل واحد .
1 – أخرج البخاري من طريق عكرمة ، عن ابن عباس : أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم بشريك ابن سمحاء ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : البينة أو حد في ظهرك )55 . فقال : يا رسول الله ، إذا وجد أحدنا مع امرأته رجلا ، ينطلق يلتمس البينة ؟ وفي رواية أنه قال : والذي بعثك بالحق إني لصادق ، ولينزلن الله تعالى ما يبرئ ظهري من الحد ، فنزل جبريل – عليه السلام – وأنزل عليه : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ . حتى بلغ : إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ . 1 ه . وهي الآيات : 6 – 10 من سورة النور .
2 – وأخرج الشيخان ( واللفظ للبخاري ) عن سهل بن سعد : أن عويمرا أتى عاصم بن عدي وكان سيد بني عجلان ، فقال : كيف تقولون في رجل وجد مع امرأته رجلا ، أيقتله فتقتلونه ، أم كيف يصنع ؟ سل لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك ، فسأل عاصم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فكره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المسائل وعابها ، فقال عويمر : والله ، لا أنتهي حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك ، فجاءه عويمر ، فقال : يا رسول الله ، رجل وجد مع امرأته رجلا ، أيقتله فتقتلونه ، أم كيف يصنع ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( قد أنزل الله القرآن فيك وفي صاحبك ) ، فأمرهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالملاعنة بما سمى الله في كتابه فلاعنها56 . فهاتان الروايتان صحيحتان ، ولهما شواهد كثيرة في الصحاح وغيرها من وجوه كثيرة ، وتفيدان تأخر الجواب إلى وقت الحاجة إليه .
1 – روى أصحاب الصحاح الستة ، والإمام أحمد في مسنده ، وابن جرير الطبري في تفسيره ، عن ابن عباس ، وأنس بن مالك – رضي الله عنهما – أن هلال بن أمية وزوجته57 ، أرسل إليهما بعد نزول هذه الآية ، فتلاها عليهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكرهما وأخبرهما أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا ، فقال هلال : والله ، يا رسول الله ، لقد صدقت عليها . فقالت : كذب . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( لاعنوا بينهما ) . فقيل لهلال : اشهد . فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ، فلما كانت الخامسة قيل له : يا هلال اتق الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة ، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب . وأيضا قال لهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرارا : ( إن الله يعلم أن أحدكما كاذب ، فهل منكما تائب ) ؟ فقال هلال : والله لا يعذبني الله عليها ، كما لم يجلدني عليها . فشهد في الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين58 .
ثم قيل للمرأة : اشهدي أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين ، وقيل لها عند الخامسة : اتقي الله ، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة ، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب ، فتلكأت ساعة وهمت بالاعتراف ، ثم قالت : والله لا أفضح قومي . فشهدت في الخامسة : أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ، ففرق بينهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقضى ألا يدعى ولدها لأب ، ولا يرمى ولدها ، ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد ، وقضى أن لا بيت لها عليه ، ولا قوت لها من أجل أنهما يفترقان من غير طلاق ، ولا متوفى عنها .
ثم قال للناس : ( إن جاءت به أصيهب59 أريشح60 حمش الساقين61 فهو لهلال ، وإن جاءت به أورق62 جعدا63 حماليا64 خدلج الساقين65 سابغ الإليتين66 فهو الذي رميت به ) . فجاءت به أوراق ، حماليا ، خدلج الساقين ، سابغ الإليتين ، فهو للذي رميت به ) . فجاءت به أورق حماليا ، خدلج الساقين ، سابغ الإليتين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( لولا الأيمان – وفي رواية أخرى – لولا ما مضى من كتاب الله ، لكان لي ولها شأن )67 .
2 – جاءت قصة عويمر العجلاني التي سبق ذكرها في الصحيحين68 وفيها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا عويمرا وزوجته فذكرهما ، وقال لهما ثلاثا : ( إن الله يعلم أن أحدكما كاذب . . . فهل منكما تائب ) ؟ فلما لم يتب أحدهما لاعن بينهما .
قال عويمر : إن انطلقت بها يا رسول الله لقد كذبت عليها ، فطلقها قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . قال سهل بن سعد فنفذها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفرق بينهما ، وقال : ( لا يجتمعان أبدا ) وزاد سهل بن سعد : وكانت حاملا فأنكر حملها ، وكان ابنها يدعى إليها ، ثم جرت السنة في الميراث أن يرثها وترث منه ما فرض الله لهما .
3 – ولهاتين القضيتين شواهد كثيرة في الصحاح وغيرها من وجوه كثيرة . وليس فيها التصريح بأسماء المتلاعنين ، فقد تكون بعضها متعلقة بهاتين القضيتين ، ولكن قد جاء في بعضها ذكر قضايا أخرى ، فهذه التفاصيل تزودنا بكثير من الأمور الموضحة لأحكام اللعان :
( أ ) روى الجماعة عن ابن عمر ، أن رجلا رمى امرأته فانتفى من ولدها ، في زمان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتلاعنا كما قال الله ، ثم قضى بالولد للمرأة وفرق بينهما .
( ب ) روى البخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للمتلاعنين : ( حسابكما على الله ، أحدكما كاذب ولا سبيل لك عليها ) . قال : يا رسول الله مالي ؟ قال : ( لا مال لك ، إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها ، وإن كنت كذبت فذلك أبعد لك منها ) .
( ج ) روى البخاري ، ومسلم ، وأحمد ، وأبو داود ، عن أبي هريرة : أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : إن امرأتي ولدت غلاما أسود . فقال : ( هل لك من إبل ) ؟ قال : نعم . قال : ( ما لونها ) ؟ قال : حمر . قال : ( فهل فيها أورق ) ؟ قال : نعم . قال : ( فكيف ذاك ) ؟ قال : نزعة عرق . قال : ( فلعل هذا نزعة عرق )69 .
فلم يقبل نفيه لولده ، ولم يحمل قوله على الرمي بالزنا .
( د ) روى أبو داود ، والنسائي ، والدارمي ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم ؛ فليست من الله في شيء ، ولن يدخلها الله جنته ، وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه ؛ احتجب الله منه يوم القيامة ، وفضحه على رءوس الأشهاد من الأولين والآخرين ) .
فآيات اللعان ؛ وهذه الروايات والشواهد ، ومبادئ الشرع العامة هي المصادر لقانون اللعان في الإسلام ، وهي التي على ضوئها وضع الفقهاء ضوابط مفصلة للعان .
1 – أجمع الفقهاء على أن اللعان كالشهادة ، فلا يثبت إلا في المحكمة .
2 – ليس الحق في المطالبة باللعان للرجل فحسب ، بل هو للمرأة أيضا ، إذا اتهمها زوجها بالفاحشة أو أنكر ولدها .
3 – اختلف العلماء من السلف في من وجد مع امرأته رجلا فقتله ، هل يقتل به أم لا ؟ فقال بعضهم : يقتل به ، لأنه ليس له أن يقيم الحد بغير إذن من الحاكم ، وقال بعضهم : لا يقتل ، ويعذر فيما فعله إذا ظهرت أمارات صدقه ، وشرط أحمد وإسحاق رحمهما الله ، أن يأتي بشاهدين على أنه قتله بسبب ذلك وقد وافقهما على هذا الشرط ابن القاسم وابن حبيب من المالكية ، ولكن زاد عليه أن يكون المقتول محصنا ، وإلا فإن القاتل عليه القصاص إن كان بكرا ، أما الجمهور فذهبوا إلى أنه لا يعفى من القصاص ، إلا أن يأتي بأربعة يشهدون على الزنا ، أو يعترف به المقتول قبل موته بشرط أن يكون محصنا .
4 – أن اللعان لا يجب بمجرد الكناية أو إظهار الشبهة ، وإنما يجب بأن يرمي الزوج زوجته بالزنا صراحة ، أو ينكر أن ولدها منه بألفاظ واضحة ، وقد زاد مالك ، والليث بن سعد – رحمهما الله – أن الزوج عليه أن يصرح عند اللعان بأنه قد رأى بعينيه زوجته تزني ، ولكن لا أصل لهذه الزيادة في القرآن ولا في السنة .
5 – أخذ العلماء من أحاديث اللعان ، أنه يندب أن يقام الرجل حتى يشهد والمرأة قاعدة ، وتقام المرأة والرجل قاعد حتى تشهد ، وأن يعظهما القاضي أو نائبه ، بمثل قوله لكل منهما عند الانتهاء إلى اللعنة والغضب : اتق الله فإنها موجبة ، ولعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة ، كما يستحب التغليظ بالزمان والمكان ، وحضور جمع من عدول المسلمين ، على خلاف في ذلك بين الفقهاء ومحله كتب الفروع .
عدد الألفاظ : وهو أربع شهادات ، والمكان : وهو أن يقصد به أشرف البقاع بالبلدان ، إن كان بمكة فعند الركن والمقام ، وإن كان بالمدينة فعند المنبر ، وإن كان ببيت المقدس فعند الصخرة ، وإن كان في سائر البلدان ففي مساجدها .
والوقت : وذلك بعد صلاة العصر .
وجمع الناس : وذلك أن يكون هناك أربعة أنفس فصاعدا ، فاللفظ وجمع الناس مشروطان ، والزمان والمكان مستحبان70 .
( أ ) أن الرجل والمرأة لا يستحق أحدهما شيئا من العقوبة .
( ب ) إن كان الرجل منكرا لولد المرأة ، ألحق الولد بها ، ولا يدعى إليه ولا يرثه ، وإنما يرث أمه وترث منه .
( ج ) لا يجوز لأحد أن يقول للمرأة زانية ، ولولدها ولد الزنا ، ولو كانت عند اللعان حيث لا يشك أحد في زناها .
( د ) من أعاد إليها الاتهام السابق ، وجب عليه حد القذف .
( ه ) لا يسقط عن الرجل صداق المرأة .
( و ) لا نفقة ولا بيت للمرأة على الرجل .
8 – ذكر القرطبي في تفسيره أن آيات اللعان فيها ثلاثون مسألة ، منها كيفية وقوع الفرقة في اللعان :
قال مالك وأصحابه : وبتمام اللعان تقع الفرقة بين المتلاعنين ، فلا يجتمعان أبدا ولا يتوارثان ، ولا يحل له مراجعتها أبدا لا قبل زوج ولا بعده ، وهو قول الليث بن سعد ، وزفر بن الهذيل ، والأوزاعي .
وقال أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد بن الحسن : لا تقع الفرقة بعد فراغها من اللعان حتى يفرق الحاكم بينهما ، وهو قول الثوري ، لقول ابن عمر : فرق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين المتلاعنين . فأضاف الفرقة إليه ، ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ( لا سبيل لك عليها ) . وقال الشافعي : إذا أكمل الزوج الشهادة والالتعان ، فقد زال فراش امرأته ، التعنت أو لم تلتعن ، قال : وأما التعانها فإنما هو لدرء الحد عنها لا غير71 .
( والذي تقتضيه حكمة اللعان أن يكون التحريم مؤبدا ، فإن لعنة الله وغضبه قد حلا بأحدهما لا محالة ، ولا يعلم على من حل به ذلك منهما يقينا ، فوجب التفريق بينهما ، خشية أن يكون الزوج هو الذي قد وجبت عليه لعنة الله وباء بها ، فيعلو امرأة غير ملعونة ، وحكمة الشرع تأبى ذلك ، كما تأبى أن يعلو الكافر المسلمة ، وأيضا فإن النفرة الحاصلة من إساءة كل واحد منهما إلى صاحبه لا تزول أبدا )72 .
9 – قال العلماء : لا يحل للرجل قذف زوجته ، إلا إذا علم زناها ، أو ظنه ظنا مؤكدا ، كأن شاع زناها بفلان وصدقت القرائن بذلك ، والأولى به تطليقها سترا عليها ما لم يترتب على فراقها مفسدة ، هذا إذا لم يكن هناك ولد ، فإن أتت بولد علم أنه ليس منه ، أو ظنه ظنا مؤكدا ، وجب عليه نفيه ، وإلا لكان بسكوته مستلحقا لمن ليس منه وهو حرام ، كما يحرم عليه نفي من هو منه ، وإنما يعلم أن الولد ليس منه ، إذا لم يطأها أصلا ، أو وطئها وأتت به لدون ستة أشهر من الوطء73 .
10 – قال تعالى في آخر آيات اللعان : وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ .
وهي تعقيب على هذا التخفيف والتيسير ، ومراعاة الأحوال والظروف ، فقد بين الله أحكام اللعان عند الحاجة إليها ، ليعلم المؤمنين التزام أحكام الوحي ، وليثق المؤمن برعاية الله ، واستجابته لإحقاق الحق وإزهاق الباطل ، كما قال هلال بن أمية : والله إني لأرجو أن يجعل الله لي منها مخرجا ، والله يعلم أني لصادق .
قال النسفي : وجواب لولا محذوف ، أي : لعاجلكم بالعقوبة أو لفضحكم .
والحكمة في حذفه أن تذهب النفس في تصوره كل مذهب . أي : ولكن الله ستر عليكم ودفع عنكم الحد باللعان ، إذ لو لم يشرع لكم ذلك لوجب على الزوج حد القذف ، مع أن قرائن الأحوال تدل على صدقه ، لأنه أعرف بحا زوجه ، وأنه لا يفتري عليها ، لاشتراكهما في الفضيحة ، ولو جعل شهادته موجبة لحد الزنا عليها ، لأهمل أمرها وكثر افتراء الزوج عليها ، لضغينة قد تكون في نفسه من أهلها ، وفي كل هذا خروج من سبق الحكمة والفضل والرحمة .
ومن ثم جعل شهادات كل منهما مع الجزم بكذب أحدهما ، دارئة عنه العقوبة الدنيوية ، وإن كان قد ابتلى الكاذب منهما في تضاعيف شهادته ، بأشد مما درأه عن نفسه ، وهو العقاب الأخروي74 .
جاء في كتاب الاختيار ( فقه حنفي ) ما يأتي :
( وصف اللعان أن يبتدئ القاضي بالزوج فيشهد أربع مرات ، يقول في كل مرة : أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتك به من الزنا . ويقول في الخامسة : أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ، فيما رميتك به من الزنا .
وإن كان القذف بولد يقول : فيما رميتك به من نفي الولد ، وإن كان بهما يقول : فيما رميتك به من الزنا ومن نفي الولد ، لأنه المقصود باليمين .
ثم تشهد المرأة أربع شهادات ، تقول في كل مرة : أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا ، وتقول في الخامسة : غضب الله عليها إن كان من الصادقين ، فيما رماني به من الزنا ، وفي نفي الولد تذكره كما تقدم .
فإذا التعنا فرق الحاكم بينهما ، فإذا فرق بينهما كانت تطليقة بائنة .
فإن كان القذف بولد نفى القاضي نسبه وألحقه بأمه ؛ لأنه صلى الله عليه وآله وسلم نفى ولد امرأة هلال وألحقه بأمه .
ويصبح نفي الولد عقب الولادة ، وفي حالة التهنئة ، وابتياع آلة الولادة فيلاعن وينفيه القاضي .
ومعلوم أن الإنسان لا يشهد عليه بنسب ولده ، وإنما يستدل على ذلك بقبوله التهنئة ، وابتياع متاع الولادة ، وقبول هدية الأصدقاء ، فإذا فعل ذلك أو مضى مدة يفعل فيه ذلك عادة ، وهو ممسك كان اعترافا ظاهرا ، فلا يصح نفيه بعده ، وإن كان غائبا فعلم فكأنها ولدت حال علمه )75 .
ألا ليت قومي يعلمون أحكام دينهم ، وتشريع ربهم ، فيخلعون عن أنفسهم أوضار الجاهلية ، ونظام القوانين الوضعية ، ويستعدون لقبول نظام الخالق ، وأحكام الإله العادل .
فهو العليم بحال عباده ، الحكيم فيما شرع لهم ، ولو أن المسلمين عادوا لأحكام الإسلام ، ونفذوا أوامره ، وحكموا مبادئه لعادت لهم وحدة الصف ، وقوة الكلمة ، وجلال الهيبة ، ولصاروا بنعمة الله إخوانا تباركهم السماء ، وتخشاهم قوى الشر والشرك .
وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ . ( المائدة : 66 ) .
{ والخامسة } أي والشهادة الخامسة للأربع المتقدمة أي الجاعلة لها خمساً بانضمامها إليهن ، وإفرادها مع كونها شهادة أيضاً لاستقلالها بالفحوى ووكادتها في إفادتها ما يقصد بالشهادة من تحقيق الخبر وإظهار الصدق ، وهي مبتدأ خبره قوله تعالى : { إن لَّعْنَتُ الله عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الكاذبين } فيما رماها به من الزنا .
قوله تعالى : { والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين } قرأ نافع ويعقوب أن خفيفة وكذلك الثانية لعنة الله رفع ، ثم يعقوب قرأ غضب بالرفع ، وقرأ نافع غضب بكسر الضاد وفتح الباء على الماضي الله رفع ، وقرأ الآخرون ( أن ) بالتشديد فيهما ، لعنة نصب ، وغضب بفتح الضاد على الاسم ، الله جر ، وقرأ حفص عن عاصم والخامسة الثانية نصب ، أي : ويشهد الشهادة الخامسة ، وقرأ الآخرون بالرفع على الابتداء وخبره في إن كالأولى . وسبب نزول هذه الآية .
أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أخبرنا زاهر بن أحمد ، أنبأنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي ، أنبأنا أبو مصعب ، عن مالك عن ابن شهاب : " أن سهل بن سعد الساعدي أخبره أن عويمرا العجلاني جاء إلى عاصم بن عدي الأنصاري فقال له : يا عاصم أرأيت لو أن رجلاً وجد مع امرأته رجلاً أيقتله فتقتلونه ، أم كيف يفعل ؟ سل لي عن ذلك يا عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فسأل عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها حتى كبر على عاصم ما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رجل عاصم إلى أهله جاءه عويمر فقال له : يا عاصم ماذا قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عاصم لعويمر ، لم تأتني بخبر ، قد كره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسألة التي سألته عنها ، فقال عويمر ، والله لا أنتهي حتى أسأله عنها ، فجاء عويمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وسط الناس فقال : يا رسول الله أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قد أنزل فيك وفي صاحبتك فاذهب فأت بها ، فقال سهل : فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما فرغا من تلاعنهما قال عويمر : كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها ، فطلقها ثلاثاً قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم " . قال مالك قال ابن شهاب : فكانت تلك سنة المتلاعنين . وقال محمد بن إسماعيل أنبأنا إسحاق ، أنبأنا محمد بن يوسف ، أنبأنا الأوزاعي ، أنبأنا الزهري ، بهذا الإسناد بمثل معناه وزاد : ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " انظروا فإن جاءت به أسحم أدعج العينين عظيم الأليتين ، خدلج الساقين ، فلا أحسب عويمراً إلا قد صدق عليها ، وإن جاءت به أحيمر كأنه وحرة ، فلا أحسب عويمر إلا قد كذب عليها ، فجاءت به على النعت الذي نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم من تصديق عويمر . فكان بعد ينسب إلى أمه " .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنبأنا محمد بن عبد الله التميمي ، أنبأنا أحمد بن يوسف ، أنبأنا محمد بن إسماعيل ، أنبأنا محمد بن بشار ، أنبأنا ابن أبي عدي ، عن هشام بن حسان ، أنبأنا عكرمة ، عن ابن عباس ، " أن هلال بن أمية قذف امرأته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : البينة أو حد في ظهرك ، فقال : يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلاً ينطلق يلتمس البينة ؟ فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول : البينة وإلا حد في ظهرك ، فقال هلال : والذي بعثك بالحق إني لصادق ، ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد ، فنزل جبريل وأنزل عليه : { والذين يرمون أزواجهم } فقرأ حتى بلغ { إن كان من الصادقين } فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليهما ، فجاء هلال فشهد والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله يعلم أن أحدكما كاذب ، فهل منكما تائب ؟ ثم قامت فشهدت فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا إنها موجبة ، قال ابن عباس فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع ، ثم قالت : لا أفضح قومي سائر اليوم ، فمضت ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين ، سابغ الأليتين ، خدلج الساقين ، فهو لشريك بن سحماء ، فجاءت به كذلك ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن " . وروى عكرمة عن ابن عباس : قال لما نزلت : { والذين يرمون المحصنات } الآية . قال سعد بن عبادة : " لو أتيت لكاع وقد تفخذها رجل لم يكن لي أهيجه حتى آتي بأربعة شهداء ، فوالله ما كنت لآتي بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته ويذهب ، وإن قلت ما رأيت إن في ظهري لثمانين جلدة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما قال سيدكم ؟ قالوا : لا تلمه ، فإنه رجل غيور ، ما تزوج امرأة قط إلا بكراً ، ولا طلق امرأة له فاجترأ رجل منا أن يتزوجها ، فقال سعد : يا رسول الله بأبي أنت وأمي والله إني لأعرف أنها من الله وأنها حق ولكن عجبت من ذلك لما أخبرك الله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : فإن الله يأبى إلا ذلك ، فقال صدق الله ورسوله ، قال : فلم يلبثوا إلا يسيراً حتى جاء ابن عم له يقال له هلال بن أمية من حديقة له ، فرأى رجلاً مع امرأته يزني بها ، فأمسك حتى أصبح ، فلما أصبح غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس مع أصحابه ، فقال : يا رسول الله إني جئت أهلي عشاءً فوجدت رجلاً مع امرأتي ، رأيت بعيني وسمعت بأذني ، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أتاه به ، وثقل عليه حتى عرف ذلك في وجهه ، فقال هلال : والله يا رسول الله إني لأرى الكراهية في وجهك مما أتيتك به ، والله يعلم إني لصادق وما قلت إلا حقاً ، وإني لأرجو أن يجعل الله لي فرجاً ، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بضربه ، قال : واجتمعت الأنصار فقالوا ابتلينا بما قال سعد ، أيجلد هلال وتبطل شهادته ؟ وإنهم لكذلك ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يأمر بضربه ، إذ نزل عليه الوحي ، فأمسك أصحابه عن كلامه حين عرفوا أن الوحي قد نزل عليه ، حتى فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمسكوا ، فأنزل الله عز وجل : { والذين يرمون أزواجهم } إلى آخر الآيات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أبشر يا هلال فإن الله قد جعل لك فرجاً فقال : لقد كنت أرجو ذلك من الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أرسلوا إليها ، فجاءت ، فلما اجتمعا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل لها فكذبت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب ؟ فقال هلال : يا رسول الله بأبي أنت وأمي قد صدقت وما قلت إلا حقاً ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاعنوا بينهما ، فقيل لهلال : اشهد ، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ، فقال له عند الخامسة : يا هلال اتق الله ، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة ، وإن عذاب الله أشد من عذاب الناس ، وإن هذه الخامسة هي الموجبة التي توجب عليك العذاب ، فقال هلال : والله لا يعذبني الله عليها كما لم يجلدني عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فشهد الخامسة : أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين . ثم قال للمرأة : اشهدي ، فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين ، فقال لها عند الخامسة ووقفها : اتقي الله فإن الخامسة موجبة وإن عذاب الله أشد من عذاب الناس ، فتلكأت ساعة وهمت بالاعتراف ثم قالت : والله لا أفضح قومي ، فشهدت الخامسة : أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ، ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما ، وقضى بأن الولد لها ولا يدعى لأب ولا يرمى ولدها ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن جاءت به كذا وكذا فهو لزوجها وإن جاءت به كذا وكذا فهو للذي قيل فيه ، فجاءت به غلاماً كأنه جمل أورق ، على الشبه المكروه ، وكان بعد أميراً على مصر ، لا يدري من أبوه " . وقال ابن عباس في سائر الروايات ، ومقاتل : لما نزلت : { والذين يرمون المحصنات } الآية ، فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة على المنبر فقام عاصم بن عدي الأنصاري فقال : جعلني الله فداك ، إن رأى رجل منا مع امرأته رجلاً فأخبر بما رأى جلد ثمانين جلدة ، وسماه المسلمون فاسقا ، ولا تقبل شهادته أبداً ، فكيف لنا بالشهداء ونحن إذا التمسنا الشهداء كان الرجل فرغ من حاجته ومر ، وكان لعاصم هذا ابن عم يقال له : عويمر ، وله امرأة يقال لها : خولة بنت قيس بن محصن ، فأتى عويمر عاصماً وقال : لقد رأيت شريك بن السمحاء على بطن امرأتي خولة ، فاسترجع عاصم ، وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجمعة الأخرى ، فقال : يا رسول الله ما أسرع ما ابتليت بالسؤال الذي سألت في الجمعة الماضية في أهل بيتي ، فأخبره وكان عويمر وخولة وشريك كلهم بني عم عاصم ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم جميعاً ، وقال لعويمر : اتق الله في زوجتك وابنة عمك ولا تقذفها بالبهتان فقال : يا رسول الله أقسم بالله إني رأيت شريكاً على بطنها وإني ما قربتها منذ أربعة أشهر ، وإنها حبلى من غيري ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمرأة : اتقي الله ولا تخبري إلا بما صنعت فقالت : يا رسول الله إن عويمراً رجل غيور ، وإنه رآني وشريكاً يطيل السمر ونتحدث ، فحملته الغيرة على ما قال ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لشريك : ما تقول ؟ فقال : ما تقوله المرأة كذب ، فأنزل الله عز وجل : { والذين يرمون أزواجهم } الآية ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نودي الصلاة جامعة ، فصلى العصر ثم قال لعويمر : قم ، فقام فقال : أشهد بالله بأن خولة زانية وإني لمن الصادقين ، ثم قال في الثانية أشهد بالله إني رأيت شريكاً على بطنها ، وإني لمن الصادقين ، ثم قال في الثالثة أشهد بالله إنها حبلى من غيري وإني لمن الصادقين ، ثم قال في الرابعة أشهد بالله إني ما قربتها منذ أربعة أشهر وإني لمن الصادقين ، ثم قال في الخامسة : لعنة الله على عويمر : يعني نفسه إن كان من الكاذبين فيما قال ، ثم أمره بالقعود ، وقال لخولة : قومي فقامت ، فقالت : أشهد بالله ما أنا بزانية وإن عويمر لمن الكاذبين ، ثم قالت في الثانية أشهد بالله إنه ما رأى شريكاً على بطني وإنه لمن الكاذبين ، ثم قالت في الثالثة أشهد بالله إني حبلى منه وإنه لمن الكاذبين ، ثم قالت في الرابعة أشهد بالله إنه ما رآني قط على فاحشة وإنه لمن الكاذبين ، ثم قالت في الخامسة غضب الله على خولة تعني نفسها إن كان من الصادقين . ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما ، وقال لولا هذه الأيمان لكان لي في أمرهما رأي ، ثم قال : تحينوا بها الولادة فإن جاءت به أصيهب أثيبج يضرب إلى السواد فهو لعويمر ، وإن جاءت به أورق جعداً جمالياً خدلج الساقين فهو للذي رميت به . قال ابن عباس : فجاءت أشبه خلق الله بشريك " . والكلام في حكم الآية : أن الرجل إذا قذف امرأته فموجبه موجب قذف الأجنبي في وجوب الحد عليه إن كانت محصنة ، أو التعزير إن لم تكن محصنة ، غير أن المخرج منهما مختلف ، فإذا قذف أجنبياً يقام الحد عليه ، إلا أن يقيم أربعة من الشهود على زناه ، أو يقر به المقذوف فيسقط عنه حد القذف ، وفي الزوجة إذا وجد أحد هذين أو لاعن يسقط عنه الحد ، فاللعان في قذف الزوجة بمنزلة البينة ، لأن الرجل إذا رأى مع امرأته رجلاً ربما لا يمكنه إقامة البينة عليه ولا يمكنه الصبر على العار ، فجعل الله اللعان حجة له على صدقه ، فقال تعالى : { فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين } وإذا أقام الزوج البينة على زناها أو اعترفت بالزنا سقط عنه الحد واللعان ، إلا أن يكون هناك ولد يريد نفيه فله أن يلاعن لنفيه . وإذا أراد الإمام أن يلاعن بينهما يبدأ فيقيم الرجل ويلقنه كلمات اللعان ، فيقول : قل أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به فلانة بالزنا ، وإن كان قد رماها برجل بعينه سماه بعينه باللعان ، وإن رماها بجماعة سماهم ، ويقول الزوج كما يلقنه الإمام ، وإن كان ولد أو حمل يريد نفيه يقول : وإن هذا الولد أو الحمل لمن الزنا ما هو مني ، ويقول في الخامسة : علي لعنة الله إن كنت من الكاذبين فيما رميت به فلانة ، وإذا أتى بكلمة منها من غير تلقين الحاكم لا تكون محسوبة ، فإذا فرغ الرجل من اللعان وقعت الفرقة بينه وبين زوجته وحرمت عليه على التأييد ، وانتفى عنه النسب وسقط عنه حد القذف ، ووجب على المرأة حد الزنا ، إن كانت محصنة ترجم ، وإن كانت غير محصنة تجلد وتغرب ، فهذه خمسة أحكام تتعلق كلها بلعان الزوج .