ولكن لا يأس من قلب خمد وجمد وقسا وتبلد . فإنه يمكن أن تدب فيه الحياة ، وأن يشرق فيه النور ، وأن يخشع لذكر الله . فالله يحيي الأرض بعد موتها ، فتنبض بالحياة ، وتزخر بالنبت والزهر ، وتمنح الأكل والثمار . . وكذلك القلوب حين يشاء الله :
( اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها ) . .
وفي هذا القرآن ما يحيي القلوب كما تحيا الأرض ؛ وما يمدها بالغذاء والري والدفء :
يُحيي الأرض : يجعلها خصبة بالنبات والزرع .
17- { اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } .
القلوب إذا أهملت صدأت وخمدت ، ولكن لن ييأس المؤمن من فضل الله وهدايته ، ولن يملّ من التوبة والرجوع إليه سبحانه ، فكما أن الأرض الجافة الصلبة إذا نزل عليها الماء اخضرت وربت ، وأنبتت من كل زوج بهيج ، فكذلك يحيي الله القلوب بعد قسوتها ، ويهدي الحيارى بعد ضلالهم ببراهين القرآن ودلائله ، ونور الهداية وإشراق التوجيه ، وفضل العناية الإلهية .
قد أوضحنا لكم لآيات والحجج كي تتدبروها ، وتعقلوا ما فيها من المواعظ ، وتعملوا بموجب ذلك .
{ اعلموا أَنَّ الله يحيي الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا } فهو تمثيل ذكر استطراداً لاحياء القلوب القاسية بالذكر والتلاوة بإحياء الأرض الميتة بالغيث للترغيب في الخشوع والتحذير عن القساوة { قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيات } التي من جملتها هذه الآيات { لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } كي تعقلوا ما فيها وتعملوا بموجبها فتفوزوا بسعادة الدارين .
من باب الإشارة :وقال سبحانه : { اعلموا أَنَّ الله يحيي الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا } [ الحديد : 17 ] لئلا يقنط القاسي من رحمته تعالى ويترك الاشتغال بمداواة القلب الميت
{ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } فإن الآيات تدل العقول على العلم بالمطالب الإلهية ، والذي أحيا الأرض بعد موتها قادر على أن يحيي الأموات بعد موتهم ، فيجازيهم بأعمالهم ، والذي أحيا الأرض بعد موتها بماء المطر قادر على أن يحيي القلوب الميتة بما أنزله من الحق على رسوله ، وهذه الآية تدل على أنه لا عقل لمن لم يهتد بآيات الله و[ لم ] ينقد لشرائع الله .
{ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 17 ) }
اعلموا أن الله سبحانه وتعالى يحيي الأرض بالمطر بعد موتها ، فتُخرِج النبات ، فكذلك الله قادر على إحياء الموتى يوم القيامة ، وهو القادر على تليين القلوب بعد قسوتها . قد بينَّا لكم دلائل قدرتنا ؛ لعلكم تعقلونها فتتعظوا .
ثم وجه - سبحانه - خطابه إلى المؤمنين فقال : { اعلموا أَنَّ الله يُحْيِي الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيات لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } .
وافتتاح الآية بقوله - تعالى - : { اعلموا } يؤذن بأن ما سيلقى على مسامعهم من توجيهات ، جدير بالانتباه إلى مضمونه ، وإلى الامتثال لما اشتمل عليه من أمر أو نهى .
وليس المقصود من الآية إخبار المؤمنين بأن الله - تعالى - قادر على إحياء الأرض بعد موتها ، فذلك أمر يعتقدونه ، ولا يتم إيمانهم إلا به .
وإنما المقصود من هذه الآية الكريمة ، بيان أن المواظبة على ذكر الله - تعالى - وعلى تلاوة كتابه ، كل ذلك يكون له أثره فى خشوع النفوس ، وفى طهارة القلوب . . . كأثر المطر عندما ينزل على الأرض الجدباء المقفرة . . . فما تلبث إلا أن تهتز وتربو وتنبت من كل زوج بهيج .
قال الإمام الرازى : قوله - تعالى - : { اعلموا أَنَّ الله يُحْيِي الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا } . فيه وجهان :
الأول : أنه تمثيل . والمعنى : أن القلوب التى ماتت بسبب القساوة ، المواظبة على الذكر سبب لعودة حياة الخشوع إليها ، كما يحيى الله - تعالى - الأرض بالغيث .
والثانى : أن المراد من قوله : { يُحْيِي الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا } ، بعث الأموات فذكر ذلك ترغيبا فى الخشوع والخضوع ، وزجرا عن القساوة .
والمراد بالآيات فى قوله - تعالى - : { قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيات لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } الدلائل الدالة على وحدانيته وقدرته ، وعلمه - سبحانه - .
أى : قد بينا لكم الدلائل والبراهين الناطقة بقدرتنا وحكمتنا . . . لعلكم بهذا البيان تعقلون ما أرشدناكم إليه ، وتعملون بموجب ما عقلتموه ، وبذلك تنالون الفلاح والسعادة ، وتخشع قلوبكم لذكرنا ولآياتنا .
قوله : { اعلموا أن الله يحي الأرض بعد موتها } يشار بذلك إلى أن القلوب الغليظة ربما تلين بالذكرى وحسن الموعظة أو ترق وتخشع بسماع الدلائل والآيات . فما ينبغي الاستيئاس من إيمان الشاردين عن منهج الحق ، الجامحين نحو الشهوات والملذات . فإن القلوب الغافلة ربما تنفذ إلى أعماقها آيات الهداية فتخشع وتنقلب راجعة إلى الصواب واليقين . وذلك كما أحيى الأرض الهامدة اليبس بالغيث الهاطل المدرار فأنبت الله فيها الزرع والثمر ولبست الأرض حلة زاهية من الخضرة والجمال . قوله : { قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون } بين الله لعباده الآيات لكي يفهموها ويتدبروا مدلولاتها ومعانيها فيعتبروا ويستيقنوا{[4461]} .