في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{طسٓمٓ} (1)

مقدمة السورة:

سورة القصص مكية وآياتها ثمان وثمانون

هذه السورة مكية ، نزلت والمسلمون في مكة قلة مستضعفة ، والمشركون هم أصحاب الحول والطول والجاه والسلطان . نزلت تضع الموازين الحقيقية للقوى والقيم ، نزلت تقرر أن هناك قوة واحدة في هذا الوجود ، هي قوة الله ؛ وأن هناك قيمة واحدة في هذا الكون ، هي قيمة الإيمان . فمن كانت قوة الله معه فلا خوف عليه ، ولو كان مجردا من كل مظاهر القوة ، ومن كانت قوة الله عليه فلا أمن له ولا طمأنينة ولو ساندته جميع القوى ؛ ومن كانت له قيمة الإيمان فله الخير كله ، ومن فقد هذه القيمة فليس بنافعه شيء أصلا .

ومن ثم يقوم كيان السورة على قصة موسى وفرعون في البدء ، وقصة قارون مع قومه - قوم موسى - في الختام . . الأولى تعرض قوة الحكم والسلطان . قوة فرعون الطاغية المتجبر اليقظ الحذر ؛ وفي مواجهتها موسى طفلا رضيعا لا حول له ولا قوة ، ولا ملجأ له ولا وقاية . وقد علا فرعون في الأرض ، واتخذ أهلها شيعا ، واستضعف بني إسرائيل ، يذبح أبناءهم ، ويستحيي نساءهم ، وهو على حذر منهم ، وهو قابض على أعناقهم . ولكن قوة فرعون وجبروته ، وحذره ويقظته ، لا تغني عنه شيئا ؛ بل لا تمكن له من موسى الطفل الصغير ، المجرد من كل قوة وحيلة ، وهو في حراسة القوة الحقيقية الوحيدة ترعاه عين العناية ، وتدفع عنه السوء ، وتعمي عنه العيون ، وتتحدى به فرعون وجنده تحديا سافرا ، فتدفع به إلى حجره ، وتدخل به عليه عرينه ، بل تقتحم به عليه قلب امرأته وهو مكتوف اليدين إزاءه ، مكفوف الأذى عنه ، يصنع بنفسه لنفسه ما يحذره ويخشاه !

والقصة الثانية تعرض قيمة المال ، ومعها قيمة العلم . المال الذي يستخف القوم وقد خرج عليهم قارون في زينته ، وهم يعلمون أنه أوتي من المال ما إن مفاتحه لتعيي العصبة من الرجال الأقوياء . والعلم الذي يعتز به قارون ، ويحسب أنه بسببه وعن طريقه أوتي ذلك المال . ولكن الذين أوتوا العلم الصحيح من قومه لا تستخفهم خزائنه ، ولا تستخفهم زينته ؛ بل يتطلعون إلى ثواب الله ، ويعلمون أنه خير وأبقى . ثم تتدخل يد الله فتخسف به وبداره الأرض ، لا يغني عنه ماله ولا يغني عنه علمه ؛ وتتدخل تدخلا مباشرا سافرا كما تدخلت في أمر فرعون ، فألقته في اليم هو وجنوده فكان من المغرقين .

لقد بغى فرعون على بني إسرائيل واستطال بجبروت الحكم والسلطان ؛ ولقد بغى قارون عليهم واستطال بجبروت العلم والمال . وكانت النهاية واحدة ، هذا خسف به وبداره ، وذلك أخذه اليم هو وجنوده . ولم تكن هنالك قوة تعارضها من قوى الأرض الظاهرة . إنما تدخلت يد القدرة سافرة فوضعت حدا للبغي والفساد ، حينما عجز الناس عن الوقوف للبغي والفساد .

ودلت هذه وتلك على أنه حين يتمحض الشر ويسفر الفساد ويقف الخير عاجزا والصلاح حسيرا ؛ ويخشى من الفتنة بالبأس والفتنة بالمال . عندئذ تتدخل يد القدرة سافرة متحدية ، بلا ستار من الخلق ، ولا سبب من قوى الأرض ، لتضع حد للشر والفساد .

وبين القصتين يجول السياق مع المشركين جولات يبصرهم فها بدلالة القصص - في سورة القصص - ويفتحأبصارهم على آيات الله المبثوثة في مشاهد الكون تارة ، وفي مصارع الغابرين تارة ، وفي مشاهد القيامة تارة . . وكلها تؤكد العبر المستفادة من القصص ، وتساوقها وتتناسق معها ؛ وتؤكد سنة الله التي لا تتخلف ولا تتبدل على مدار الزمان . وقد قال المشركون لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : " إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا " . فاعتذروا عن عدم اتباعهم الهدى بخوفهم من تخطف الناس لهم ، لو تحولوا عن عقائدهم القديمة التي من أجلها يخضع الناس لهم ، ويعظمون البيت الحرام ويدينون للقائمين عليه .

فساق الله إليهم في هذه السورة قصة موسى وفرعون ، تبين لهم أين يكون الأمن وأين تكون المخافة ؛ وتعلمهم أن الأمن إنما يكون في جوار الله ، ولو فقدت كل أسباب الأمن الظاهرة التي تعارف عليها الناس ؛ وأن الخوف إنما يكون في البعد عن ذلك الجوار ولو تظاهرت أسباب الأمن الظاهرة التي تعارف عليها الناس ! وساق لهم قصة قارون تقرر هذه الحقيقة في صورة أخرى وتؤكدها .

وعقب على مقالتهم ( أو لم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ? ولكن أكثرهم لا يعلمون ) . . يذكرهم بأنه هو الذي آمنهم من الخوف فهو الذي جعل لهم هذا الحرم الآمن ؛ وهو الذي يديم عليهم أمنهم ، أو يسلبهم إياه ؛ ومضى ينذرهم عاقبة البطر وعدم الشكر : ( وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا ، وكنا نحن الوارثين ) .

ويخوفهم عاقبة أمرهم بعد أن أعذر إليهم وأرسل فيهم رسولا . وقد مضت سنة الله من قبل بإهلاك المكذبين بعد مجيء النذير : ( وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا ، وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون ) .

ثم يعرض عليهم مشهدهم يوم القيامة حين يتخلى عنهم الشركاء على رؤوس الأشهاد ؛ فيبصرهم بعذاب الآخرة بعد أن حذرهم عذاب الدنيا ؛ وبعد أن علمهم أين يكون الخوف وأين يكون الأمان .

وتنتهي السورة بوعد من الله لرسوله الكريم وهو مخرج من مكة مطارد من المشركين بأن الذي فرض عليه القرآن لينهض بتكاليفه ، لا بد راده إلى بلده ، ناصره على الشرك وأهله . وقد أنعم عليه بالرسالة ولم يكن يتطلع إليها ؛ وسينعم عليه بالنصر والعودة إلى البلد الذي أخرجه منه المشركون . سيعود آمنا ظافرا مؤيدا . وفي قصص السورة ما يضمن هذا ويؤكده . فقد عاد موسى - عليه السلام - إلى البلد الذي خرج منه خائفا طريدا . عاد فأخرج معه بني إسرائيل واستنقذهم ، وهلك فرعون وجنوده على أيدي موسى وقومه الناجين . .

ويختم هذا الوعد ويختم السورة معه بالإيقاع الأخير :

( ولا تدع مع الله إلها آخر ، لا إله إلا هو ، كل شيء هالك إلا وجهه ، له الحكم ، وإليه ترجعون ) .

هذا هو موضوع السورة وجوها وظلالها العامة ، فلنأخذ في تفصيل أشواطها الأربعة : قصة موسى . والتعقيب عليها . وقصة قارون . وهذا الوعد الأخير . . .

تبدأ السورة بالأحرف المقطعة :

طا . سين . ميم . . تلك آيات الكتاب المبين . .

تبدأ السورة بهذه الأحرف للتنبيه إلى أنه من مثلها تتألف آيات الكتاب المبين ، البعيدة الرتبة ، المتباعدة المدى بالقياس لما يتألف عادة من هذه الأحرف ، في لغة البشر الفانين :

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{طسٓمٓ} (1)

مقدمة السورة:

أهداف سورة القصص

سورة القصص مكية ، وآياتها 88 آية ، نزلت بعد سورة النمل ، وقد نزلت في الفترة المكية الأخيرة فيما بين الهجرة إلى الحبشة والإسراء ، وقد سميت بسورة القصص لاشتمالها على القصص الذي حكاه موسى لنبي الله شعيب في قوله سبحانه : { فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين } [ القصص : 25 ] .

قصة موسى

تستغرق قصة موسى حيزا كبيرا من سورة القصص ، فمن بداية السورة إلى الآية 48 ؛ نجد حديثا مستفيضا عن موسى عليه السلام .

وفي الآيات [ 75-82 ] نجد حديثا عن قارون ، أي أن معظم سورة القصص يتناول قصة موسى ويتناول قصة قارون ، والحكمة في ذلك أن هذه السورة نزلت بمكة في مرحلة قاسية ، كان المسلمون فيها قلة مستضعفة ، والمشركون هم أصحاب الحول والطول والجاه والسلطان ، فنزلت هذه السورة تضع الموازين الحقيقية للقوى والقيم ، وتقرر أن هناك قوة واحدة في هذا الوجود ، هي قوة الله ، وأن هناك قيمة واحدة في هذا الكون هي قيمة الإيمان ، فمن كانت قوة الله معه فلا خوف عليه ، ومن كانت قوة الله عليه فلا أمن له ولا طمأنينة ولو ساندته جميع القوى .

ومن ثم يقوم كيان سورة القصص على قصة موسى وفرعون ، وتعرض السورة من خلال هذه القصة قوة فرعون الطاغية المتجبر اليقظ الحذر ، وفي مواجهتها موسى طفلا رضيعا لا حول له ولا قوة ، ولا ملجأ له ولا وقاية .

وقد علا فرعون في الأرض ، واتخذ أهلها شيعا ، واستضعف بني إسرائيل ، يذبح أبناءهم ، ويستحيي نساءهم ، وهو على حذر منهم ، وهو قابض على أعناقهم ، لكن قوة فرعون وجبروته وحذره ويقظته ، لا تغني عنه شيئا ، بل لا تمكن له من موسى الطفل الصغير المجرد من كل قوة وحيلة ، وهو في حراسة القوة الحقيقية الوحيدة ، ترعاه عين العناية ، وتدفع عنه السوء ، وتعمى عنه العيون ، وتتحدى به فرعون وجنده تحديا سافرا ، فتدفع به إلى حجره ، وتدخل به عليه عرينه ، بل تقتحم به عليه قلب امرأته وهو مكتوف اليدين إزاءه ، مكفوف الأذى عنه ، يصنع بنفسه لنفسه ما يحذره ويخشاه .

لقد طمعت آسية أن يكون موسى وليدا لها تتبناه مع زوجها فرعون ، فقالت لفرعون : { قرت عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون } [ القصص : 9 ]

وهكذا دبر الله أن يتربى موسى في بيت فرعون ، وأن يؤتى الحذر من مكمنه ، ولما حرم الله المراضع على موسى ، جاءت أمه كمرضعة له ، وأرضعته في بيت فرعون ، وصار فرعون يجري عليها كل يوم دينارا من الذهب ، وفي الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( مثل المؤمن كأم موسى ترضع ولدها وتأخذ أجرتها )i .

موسى في سن الرجولة :

بلغ موسى أشده ، واستكمل نيفا وثلاثين عاما ، وقد صنعه الله على عينه ، فصار يتأمل في هذا الكون ، ويبتعد عن حاشية فرعون ، ودخل العاصمة في فترة الظهيرة فرأى قبطيا يعمل طباخا في قصر فرعون يتشاجر مع إسرائيلي ، فاستغاث به الإسرائيلي ؛ فضرب موسى القبطي بجمع يده فوقع جثة هامدة ، وندم موسى على ذلك واستغفر الله وتاب إليه .

وتربص قوم فرعون بموسى ليقتلوه ، فانتدبت يد القدرة واحدا منهم يكتم إيمانه عنهم ، وجاء لموسى وقال له : { إن الملأ يأتمرون به ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين } [ القصص : 20 ] .

خرج موسى هاربا مهاجرا متجها إلى أرض مدين وحيدا فريدا فآواه الله ورعاه ، وتعرف هناك على نبي الله شعيب وتزوج بابنته ومكث هناك عشر سنين ، ثم عاوده الحنين إلى مصر فجاء إليها عبر سيناء ، وعند الشجرة المباركة نودي من قبل الله : أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين ، وامتن الله عليه بالرسالة وأيده بالمعجزات .

موسى مع فرعون :

عاد موسى إلى فرعون مرة أخرى يدعوه إلى الإيمان بالله ويقدم له الأدلة العقلية والمعجزات الظاهرة ، ولكن فرعون طغى وتجبر وكذب وعصى ؛ فأهلكه الله وأخذه نكال الآخرة والأولى ، إن في ذلك لعبرة لمن يخشى .

الحلقة الجديدة في القصة :

عنيت سورة القصص بإبراز حلقة ميلاد موسى ، وتربيته في بيت فرعون ، وهي حلقة جديدة في القصة تكشف عن تحدي القدرة الإلهية للطغيان والظلم ، وفيها يتجلى عجز قوة فرعون وحيلته وحذره عن دفع القدر المحتوم والقضاء النافذ .

لقد ولد موسى في ظروف قاسية في ظاهرها ، فصاحبته رعاية الله وعنايته ، في رضاعه وفي نشأته وفتوته ، وصنعه الله على عينه وهيأه للرسالة ، وإذا أراد الله أمرا هيأ له الأسباب ثم قال له كن فيكون .

قارون :

ذكرت سورة القصص قصة موسى في بدايتها وقصة قارون في نهايتها ، والهدف واحد ، فقصة فرعون تمثل طغيان الملك ، وقصة قارون تمثل طغيان المال .

كان قارون من قوم موسى وكان غنيا ذا قدرة ومعرفة ، وأوتي من المال ما إن مفاتحه لتعيي العصبة من الرجال الأقوياء ، وخرج على قومه في زينته وأبهته ليكسر قلوب الفقراء ، ونصحه قومه بالاعتدال وإخراج الزكاة ، والإحسان إلى الناس والابتعاد عن الفساد .

فزادته النصيحة تيها وعلوا ، وخرج يباهي الناس بماله وكنوزه ، ثم تدخلت يد القدرة الإلهية فخسفت به وبداره الأرض ، ولم يغن عنه ماله ولا علمه .

وهكذا تصير عاقبة الظالمين ، كما غرق فرعون في البحر ، هلك قارون خسفا في الأرض ، ولا تزال بحيرة قارون تذكر الناس بنهاية الظالمين ، قال تعالى : { وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين*فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } [ العنكبوت : 39 ، 40 ] .

أهداف السورة

تهدف سورة القصص إلى إثبات قدرة الله ورعايته للمؤمنين ، فهو سبحانه الواحد الأحد الفرد الصمد المتفرد بالحكم والقضاء ، قد آزر موسى وحيدا فريدا طريدا ، ونجاه من بطش فرعون ، وأغرق فرعون وجنوده ، كما أهلك قارون وقومه .

وبين القصتين نجد الآيات من [ 44 – 75 ] تعقب على قصة موسى وتبين أين يكون الأمن ، وأين تكون المخافة ، وتجول مع المشركين الذين يواجهون دعوة الإسلام بالشرك والإنكار والمعاذير ، تجول معهم جولات شتى في مشاهد الكون ، وفي مشهد الحشر ، وفيما هم فيه من الأمن ، بعد أن تعرض عليهم دلائل الصدق فيما جاءهم به رسولهم صلى الله عليه وسلم ، وكيف يتلقاه فريق من أهل الكتاب بالإيمان واليقين ، بينما هم يتلقونه بالكفران والجحود ، وهو رحمة لهم من العذاب ، لو أنهم كانوا يتذكرون .

ختام السورة

في ختام السورة نجد الآيات [ 85-88 ] تعد الرسول صلى الله عليه وسلم بالرجوع إلى مكة فاتحا منتصرا ، ينشر الهدى ويقيم الحق والعدل ، ومن العجيب أن هذا الوعد بالنصر جاءه وهو مخرج من بلده ، مطارد من قومه ، مهاجر إلى المدينة ولم يبلغها بعد ، فقد كان بالجحفة قريبا من مكة ، قريبا من الخطر ، يتعلق قلبه وبصره ببلده الذي يحبه ، ويقول عند فراقه مخاطبا مكة : " والله إنك لمن أحب البلاد إليّ ، ومن أحب البلاد إلى الله ، ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت " .

ويعده الله بالرجوع إلى مكة فيقول : { إن الله فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد . . } [ القصص : 85 ] .

ويبين سبحانه : أن كل ما دون الحق فهو عرضة للفناء والزوال ، وأن زمام الحكم بيده تعالى ، وتحتم السورة بهذه الآية إثباتا للوحدانية ولجلال القدرة الإلهية : { ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون } [ القصص : 88 ] .

بسم الله الرحمان الرحيم

{ طسم( 1 ) تلك آيات الكتاب المبين( 2 ) نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون ( 3 ) إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم إنه كان من المفسدين( 4 ) ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ( 5 ) ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون( 6 ) } .

1

التفسير :

1- { طسم }

تقدم الكلام عن هذه الأحرف المقطعة في أول سورتي البقرة وآل عمران وغيرهما .

والخلاصة :

أن للعلماء في هذه الأحرف رأيين رئيسيين :

الأول : أنها مما استأثر الله تعالى بعلمه .

الثاني : أن لها معنى ، لكن الآراء تعددت في تحديد هذا المعنى ، فقيل : هي إشارة إلى أسماء الله تعالى أو صفاته ، وقيل : هي أدوات للتنبيه ، كالجرس الذي يقرع فيتنبه التلاميذ إلى دخول المدرسة ، وقيل : هي حروف للتحدي والإعجاز وبيان أن القرآن مكوّن من حروف عربية ، هي الطاء والسين والميم ، وقد عجزتم عن الإتيان بمثله ؛ فدلّ ذلك على أنه ليس من صنع بشر ، ولكنه تنزيل من حكيم حميد .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{طسٓمٓ} (1)

مقدمة السورة:

سورة القصص

مكية كلها على ما روي عن الحسن وعطاء وطاوس وقال مقاتل : فيها من المدني قوله تعالى ( الذين آتيناهم الكتاب من قبله ) إلى قوله تعالى ( لا نبتغي الجاهلين ) فقد أخرج الطبراني عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها نزلت هي وآخر الحديد في أصحاب النجاشي الذين قدموا وشهدوا واقعة أحد وفي رواية عنه رضي الله تعالى عنه أن الآية المذكورة نزلت بالجحفة في خروجه عليه الصلاة والسلام للهجرة وقيل : نزلت بين مكة والجحفة وقال المدائني في كتاب العدد حدثني محمد ثنا عبد الله قال : حدثنا أبي قال : حدثني علي بن الحسين عن أحمد بن موسى عن يحيى بن سلام قال بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم حين هاجر نزل عليه جبريل عليه الصلاة والسلام بالجحفة وهو متوجه من مكة إلى المدينة فقال أتشتاق يا محمد إلى بلدك التي ولدت فيها قال : نعم قال ان الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد الآية وهي ثمان وثمانون آية بالاتفاق ووجه مناسبتها لما قبلها اشتمالها على شرح بعض ما أجمل فيه من أمر موسى عليه السلام . قال الجلال السيوطي إنه سبحانه لما حكى في الشعراء قول فرعون لموسى عليه السلام : ( ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين وفعلت فعلتك التي فعلت ) إلى قول موسى عليه السلام ( ففرت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين ) ثم حكى سبحانه في طس قول موسى عليه السلام لأهله ( إني آنست نارا ) إلى آخره الذي هو في الوقوع بعد الفرار وكان الأمر ان على سبيل الاشارة والاجمال فبسط جل وعلا في هذه السورة ما أوجزه سبحانه في السورتين وفصل تعالى شأنه ما أجمله فيهما على حسب ترتيبهما فبدأ عز وجل بشرح تربية فرعون له مصدرا بسبب ذلك من علو فرعون وذبح أبناء بني إسرائيل الموجب لإلقاء موسى عليه السلام عند ولادته في اليم خوفا عليه من الذبح وبسط القصة في تربيته وما وقع فيها إلى كبره إلى السبب الذي من أجله قتل القبطي إلى قتل القبطي وهي الفعلة التي فعل إلى النم عليه بذلك الموجب لفراره إلى مدين إلى ما وقع له مع شعيب عليه السلام وتزويجه ابنته إلى أن سار بأهله وآنس من جانب الطور نارا فقال لاهله امكثوا إني آنست نارا إلى ما وقع له فيها من المناجات لربه جل جلاله وبعثه تعالى إياه رسولا وما استتبع ذلك إلى آخر القصة فكانت هذه السورة شارحة لما أجمل في السورتين معا على الترتيب وبذلك عرف وجه الحكمة في تقديم طس على هذه وتأخيرها عن الشعراء في الذكر في المصحف وكذا في النزول فقد روي عن ابن عباس وجابر بن زيد أن الشعراء نزلت ثم طس ثم القصص وأيضا قد ذكر سبحانه في السورة السابقة من توبيخ الكفرة بالسؤال يوم القيامة ما ذكر وذكر جل شأنه في هذه من ذلك ما أبسط وأكثر مما تقدم وأيضا ذكر عز وجل من أمر الليل والنهار هنا فوق ما ذكره سبحانه منه هناك وقد يقال في وجه المناسبة أيضا : إنه تعالى فصل في تلك السورة أحوال بعض المهلكين من قوم صالح وقوم لوط وأجمل هنا في قوله تعالى : ( وكم أهلكنا من قرية ) الآيات وأيضا بسط في الجملة هناك حال من جاء بالحسنة وحال من جاء بالسيئة وأوجز سبحانه هنا حيث قال تعالى : ( من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون ) فلم يذكر عز وجل من حال الأولين أمنهم من الفزع ومن حال الآخرين كب وجوههم في النار إلى غير ذلك مما يظهر للمتأمل

بسم الله الرحمن الرحيم { طسم تِلْكَ ءايات الكتاب المبين } قد مر ما يتعلق به من الكلام في أشباهه .