في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَكُبَّتۡ وُجُوهُهُمۡ فِي ٱلنَّارِ هَلۡ تُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} (90)

59

( ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار ) . .

وهو مشهد مفزع . وهم يكبون في النار على وجوههم . ويزيد عليهم التبكيت والتوبيخ !

هل تجزون إلا ما كنتم تعملون ? . .

فقد تنكبوا الهدى ، وأشاحوا عنه بوجوهم ؛ فهم يجزون به كبا لهذه الوجوه في النار وقد أعرضت من قبل عن الحق الواضح وضوح الليل والنهار .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَكُبَّتۡ وُجُوهُهُمۡ فِي ٱلنَّارِ هَلۡ تُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} (90)

المفردات :

بالسيئة : الإشراك بالله ، أو المعاصي .

كُبت : ألقيت وجوههم في النار منكوسة ، أو هي كناية عن الأنفس ، وكبّها : إلقاؤها .

التفسير :

90- { ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون }

المراد بالسيئة هنا : الشرك أو الكفر ، ويمكن أن يراد بها : المعاصي والسيئات والذنوب .

والمعنى :

ومن جاء بالكفر أو الشرك ؛ فإنه يلقى في النار على وجهه منكوسا ، لأن الوجه أغلى شيء في الإنسان . فإذا ألقى الوجه في النار ، كان دليلا على إصابة العذاب للجسم كله .

قال تعالى : { أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة . . } [ الزمر : 24 ] .

كما تشمل الآيات مرتكب السيئات من الفسوق والعصيان والذنوب ، كالزنا والسرقة والقتل ، وترك الفرائض وإهمال الواجبات ، هؤلاء جميعا يلقون في النار ويعذبون فيها ، ويقال لهم على سبيل التبكيت والإهانة : { هل تجزون إلا ما كنتم تعملون } ، أي : إن الجزاء هنا من جنس أعمالكم في الدنيا : فأنتم تعذبون عقوبة على أعمالكم السيئة ، والمكث في النار يختلف من شخص لآخر ، فالكفار والمشركون يخلدون في النار ، لأنهم كانوا عازمين على الكفر بالله أبدا ، فكان عذابهم الخلود في النار خلودا أبديا .

أما المؤمنون بالله مع العصيان وارتكاب السيئات ، فإنهم يلقون جزاءهم في جهنم ، ثم يخرجون منها إلى الجنة ، فلا يخلد في جهنم من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان ، كما جاء في صحاح السنة ، وفي حديث البطاقة ما يفيد : " أن الله تعالى يحاسب عبدا على أعماله فيجد سجلات كثيرة فيها السيئات ، فيسأله الله تعالى : هل ظلمك الكرام الكاتبون ؟ فيقول : لا يا رب ، حتى إذا يئس العبد ، قال الله له : إن لك عندنا بطاقة فيها ، شهادة لا إله إلا الله : فيقول العبد : يا رب ، وما تصنع هذه البطاقة أمام هذه السجلات الكثيرة ، فتوضع البطاقة في كفة ، والسجلات في كفة ، فرجحت البطاقة وطاشت السجلات ، قال صلى الله عليه وسلم : ( ولا يرجح مع اسم الله شيء ) .

وقال ابن مسعود ، وابن عباس ، والضحاك ، والحسن ، وقتادة ، في قوله : { ومن جاء بالسيئة } يعني : : الشرك . اه .

ونقول : إن مكافأة المحسن ومعاقبة المسيء واردة في روح القرآن الكريم وآياته :

قال تعالى : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره*ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } [ الزلزلة : 7 ، 8 ] .

وقال سبحانه : { إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما } [ النساء : 40 ]

كما جاء في القرآن الكريم والسنة الصحيحة ، أن الله يضاعف ثواب الحسنة عشر أمثالها أو أكثر ، والسيئة تكتب سيئة واحدة .

روى البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك ، فمن هم بحسنة فعملها كتبت له عشر حسنات إلى أضعاف مضاعفة ، ومن هم بها فلم يعملها كتبت له حسنة واحدة ، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة واحدة ، وإن هم بها فعملها كتبت له سيئة واحدة )27 .

وقال تعالى : { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون } [ الأنعام : 160 ] .

/خ90

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَكُبَّتۡ وُجُوهُهُمۡ فِي ٱلنَّارِ هَلۡ تُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} (90)

{ وَمَن جَاء بالسيئة } وهو الشرك وبه فسرها من فسر { الحسنة } [ النمل : 89 ] بشهادة أن لا إله إلا الله وقد علمت من هم ، وقيل : المراد بها ما يعم الشرك وغيره من السيئات : { فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِى النار } أي كبوا فيها على وجوههم منكوسين ، فإسناد الكب إلى الوجوه مجازي لأنه يقال كبه وأكبه إذا نكسه ، وقيل : يجوز أن يراد بالوجوه الأنفس كما أريدت بالأيدي في قوله تعالى : { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة } [ البقرة : 195 ] أي فكبت أنفسهم في النار { هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } على الالتفات للتشديد أو على إضمار القول أي مقولاً لهم ذلك فلا التفات فيه لأنه في كلام آخر ومن شروط الالتفات اتحاد الكلامين كما حقق في المعاني ، واستدل بعض المرجئة القائلين بأنه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة بقوله تعالى : { مَن جَاء بالحسنة } [ النمل : 89 ] الخ على أن المؤمن العاصي لا يعذب يوم القيامة وإلا لم يكن آمناً من فزع مشاهدة العذاب يومئذٍ وهو خلاف ما دلت عليه الآية الكريمة ، وأجيب بمنع دخول المؤمن العاصي في عموم الآية لأن المراد بالحسنة الحسنة الكاملة وهو الإيمان الذي لم تدنسه معصية ، وذلك غير متحقق فيه أو لأن المتبادر المجيء بالحسنة غير مشوبة بسيئة وهو أيضاً غير متحقق فيه ومن تحقق فيه فهو آمن من ذلك الفزع بل لا يبعد أن يكون آمناً من كل فزع من أفزاع يوم القيامة وإن سلم الدخول قلنا المراد بالفزع الآمن منه من جاء بالحسنة ما يكون حين يذبح الموت وينادي المنادي يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت كما سمعت عن ابن جريج أو حين تطبق جهنم على أهلها فيفزعون كما روي عن الكلبي وليس ذلك إلا بعد تكامل أهل الجنة دخولاً الجنة والعذاب الذي يكون لبعض عصاة المؤمنين إنما هو قبل ذلك والآية لا تدل على نفيه بوجه من الوجوه .

وأجاب بعضهم بأنه يجوز أن يكون المؤمن العاصي آمناً من فزع مشاهدة العذاب ، وأن عذب لعلمه بأنه لا يخلد فيعد عذابه كالمشاق التي يتكلفها المحب في طريق وصال المحبوب وهذا في غاية السقوط كما لا يخفى .

واستدل بعض المعتزلة بقوله تعالى : { مَن جَاء بالسيئة } الخ على عدم الفرق بين عذاب الكافر وعذاب المؤمن العاصي لأن { مَن جَاء بالسيئة } يعمهما وقد أثبت له الكب على الوجوه في النار فحيث كان ذلك بالنسبة إلى الكافر على وجه الخلود كان بالنسبة إلى المؤمن العاصي كذلك ، وأجيب بأن المراد بالسيئة الإشراك كما روي تفسيرها به عن أكثر سلف الأمة فلا يدخل المؤمن العاصي فيمن جاء بالسيئة ولو سلم دخوله بناءاً على القول بعموم السيئة فلا نسلم أن في الآية دلالة على خلوده في النار وكون الكب في النار بالنسبة إلى الكافر على وجه الخلود لا يقتضي أن يكون بالنسبة إليه كذلك فكثيراً ما يحكم على جماعة بأمر كلي ويكون الثابت لبعضهم نوعاً وللبعض الآخر نوعاً آخر منه وهذا مما لا ريب فيه ، ثم إن الآية من باب الوعيد فيجري فيها على تقدير دخول المؤمن العاصي في عموم من ما قاله الأشاعرة في آيات الوعيد فافهم وتأمل .