وأخيراً يجيء التعقيب على هذه المشاهد جميعاً ، وعلى ما سبقها من اصطفاء وتوريث :
( إن الله عالم غيب السماوات والأرض . إنه عليم بذات الصدور ) .
والعلم الشامل اللطيف الدقيق أنسب تعقيب على تنزيل الكتاب . وعلى اصطفاء من يرثونه ويحملونه . وعلى تجاوز الله عن ظلم بعضهم لنفسه . وعلى تفضله عليهم بذلك الجزاء . وعلى حكمه على الذين كفروا بذلك المصير . . فهو عالم غيب السماوات والأرض . وهو عليم بذات الصدور . وبهذا العلم الشامل اللطيف الدقيق يقضي في كل هذه الأمور . .
{ إن الله عالم غيب السموات والأرض إنه عليم بذات الصدور }
ذات الصدور : خفاياها من النزوات والميول .
إنه سبحانه مطلع على الخفايا والنوايا وعلى ما غاب عنكم في السموات والأرض فاتقوه واحذروا أن يطلع على ما في ضمائركم من الكيد لرسوله وأنكم تريدون إطفاء دينه وتنصرون آلهتكم التي لا تنفعكم شيئا يوم القيامة .
{ إنه عليم بذات الصدور . . . } هو سبحانه مطلع على ما تكنه الضمائر وما تنطوي عليه السرائر وسيجازي كل عامل بما عمل لقد صمم الكافرين على ما هم فيه من الضلال إلى الأبد فمهما طالت أعمارهم فلن تتغير أحوالهم وكان عقابهم في جهنم جزاء وفاقا على عزمهم وتصميمه أنهم لو خلدوا في الدنيا أبدا لما آمنوا بالله ورسوله أبدا .
قال تعالى : ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون . ( الأنعام : 28 ) .
{ إِنَّ الله عالم غَيْبِ السموات والأرض } أي كل غيب فيهما أي لا يخفي عليه سبحانه خافية فيهما فلا تخفي عليه جل شأن أحوالهم التي اقتضت الحكمة أن يعاملوا بهذا هذه المعاملة ولا يخرجوا من النار ، وقرأ جناح بن حبيش { عالم } بالتنوين { غَيْبُ } بالنصب على المفعولية لعالم { إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } قيل إنه تعليل لما قبله لأنه تعالى إذا علم مضمرات الصدور وهي أخفي ما يكون كان عز وجل أعلم بغيرها ، وفيه نوع خفاء ، وقال الإمام : إن قوله تعالى : { إِنَّ الله } الخ تقرير لدوامهم في العذاب مع أنهم ما كفروا إلا أياماً معدودة فكأن سائلاً يسأل عن وجه ذلك فقيل : إن الله تعالى لا يخفي عليه غيب السماوات والأرض فلا يخفي عليه ما في الصدور فكان يعلم سبحانه من الكافر أن الكفر قد تمكن في قلبه بحيث لو دام إلى الأبد لما أطاع الله تعالى ولا عبده انتهى ، وظاهره أن الجملة الأولى تعليل للثانية على عكس ما قيل ، ويمكن أن يقال : قوله تعالى : { فَمَا للظالمين مِن نَّصِيرٍ } [ فاطر : 37 ] متضمن نفي أن يكون لهم نصير على سبيل الاستمرار ومستدع خلودهم في العذاب فكان مظنة أن يقال كيف ينفي ذلك على سبيل الاستمرار والعادة في الشاهد قاضية بوجود نصير لمن تطول أيام عذابه فأجيب بأن الله عالم غيب السماوات والأرض على معنى أنه تعالى محيط بالأشياء علماً فلو كان لهم نصير في وقت من الأوقات لعلمه ولما نفي ذلك على سبيل الاستمرار ، وكذا مظنة أن يقال : كيف يخلدون في العذاب وهم قد ظلموا في أيام معدودة ؟ فأجيب بأنه عليم بذات الصدور على معنى أنه تعالى يعلم ما انطوت عليه ضمائرهم فيعلم أنهم صمموا على ما هم فيه من الضلال والكفر إلى الأبد فكل من الجملتين مستأنف استئنافاً بيانياً فتأمل .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.