وقبل أن يدخل السياق في صميم الاستعراض للمعركة - معركة أحد - والتعقيبات على وقائعها وأحداثها . . تجيء التوجيهات المتعلقة بالمعركة الكبرى ، التي المعنا في مقدمة الحديث إليها . المعركة في أعماق النفس وفي محيط الحياة . . يجيء الحديث عن الربا والمعاملات الربوية وعن تقوى الله وطاعته وطاعة رسوله . وعن الإنفاق في السراء والضراء ، والنظام التعاوني الكريم المقابل للنظام الربوي الملعون . وعن كظم الغيظ والعفو عن الناس وإشاعة الحسنى في الجماعة . وعن الاستغفار من الذنب والرجوع إلى الله وعدم الإصرار على الخطيئة :
( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة ، واتقوا الله لعلكم تفلحون . واتقوا النار التي أعدت للكافرين . وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون . وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين : الذين ينفقون في السراء والضراء ، والكاظمين الغيظ ، والعافين عن الناس . والله يحب المحسنين . والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم - ومن يغفر الذنوب إلا الله ؟ - ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون . أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها . ونعم أجر العاملين ) . .
تجيء هذه التوجيهات كلها قبل الدخول في سياق المعركة الحربية ؛ لتشير إلى خاصية من خواص هذه العقيدة :
الوحدة والشمول في مواجهة هذه العقيدة للكينونة البشرية ونشاطها كله ؛ ورده كله إلى محور واحد : محور العبادة لله والعبودية له ، والتوجه إليه بالأمر كله . والوحدة والشمول في منهج الله وهيمنته على الكينونة البشرية في كل حال من أحوالها ، وفي كل شأن من شؤونها ، وفي كل جانب من جوانب نشاطها . ثم تشير تلك التوجيهات بتجمعها هذا إلى الترابط بين كل الوان النشاط الإنساني ؛ وتأثير هذا الترابط في النتائج الأخيرة لسعي الإنسان كله ، كلما أسلفنا .
والمنهج الإسلامي يأخذ النفس من أقطارها ، وينظم حياة الجماعة جملة لا تفاريق . ومن ثم هذا الجمع بين الإعداد والاستعداد للمعركة الحربية ؛ وبين تطهير النفوس ونظافة القلوب ، والسيطرة على الأهواء والشهوات ، وإشاعة الود والسماحة في الجماعة . . فكلها قريب من قريب . . وحين نستعرض بالتفصيل كل سمة من هذه السمات ، وكل توجيه من هذه التوجيهات ، يتبين لنا ارتباطها الوثيق بحياة الجماعة المسلمة ، وبكل مقدراتها في ميدان المعركة وفي سائر ميادين الحياة !
( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة ، واتقوا الله لعلكم تفلحون . واتقوا النار التي أعدت للكافرين . وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون ) . .
ولقد سبق الحديث عن الربا والنظام الربوي بالتفصيل في الجزء الثالث من هذه الظلال فلا نكرر الحديث عنه هنا . . ولكن نقف عند الأضعاف المضاعفة . فإن قوما يريدون في هذا الزمان أن يتواروا خلف هذا النص ، ويتداروا به ، ليقولوا : إن المحرم هو الأضعاف المضاعفة . أما الأربعة في المائة والخمسة في المائة والسبعة والتسعة . . فليست أضعافا مضاعفة . وليست داخلة في نطاق التحريم !
ونبدأ فنحسم القول بأن الأضعاف المضاعفة وصف لواقع ، وليست شرطا يتعلق به الحكم . والنص الذي في سورة البقرة قاطع في حرمة أصل الربا - بلا تحديد ولا تقييد : ( وذروا ما بقي من الربا ) . . أيا كان !
فإذا انتهينا من تقرير المبدأ فرغنا لهذا الوصف ، لنقول : إنه في الحقيقة ليس وصفا تاريخيا فقط للعمليات الربوية التي كانت واقعة في الجزيرة ، والتي قصد إليها النهي هنا بالذات . إنما هو وصف ملازم للنظام الربوي المقيت ، أيا كان سعر الفائدة .
إن النظام الربوي معناه إقامة دورة المال كلها على هذه القاعدة . ومعنى هذا أن العمليات الربوية ليست عمليات مفردة ولا بسيطة . فهي عمليات متكررة من ناحية ، ومركبة من ناحية أخرى . فهي تنشىء مع الزمن والتكرار والتركيب أضعافا مضاعفة بلا جدال .
إن النظام الربوي يحقق بطبيعته دائما هذا الوصف . فليس هو مقصورا على العمليات التي كانت متبعة في جزيرة العرب . إنما هو وصف ملازم للنظام في كل زمان .
ومن شأن هذا النظام أن يفسد الحياة النفسية والخلقية - كما فصلنا ذلك في الجزء الثالث - كما أن من شأنه أن يفسد الحياة الاقتصادية والسياسية - كما فصلنا ذلك أيضا - ومن ثم تتبين علاقته بحياة الأمة كلها ، وتأثيره في مصائرها جميعا .
والإسلام - وهو ينشىء الأمة المسلمة - كان يريد لها نظافة الحياة النفسية والخلقية ، كما كان يريد لها سلامة الحياة الاقتصادية والسياسية . وأثر هذا وذاك في نتائج المعارك التي تخوضها الأمة معروف . فالنهي عن أكل الربا في سياق التعقيب على المعركة الحربية أمر يبدو إذن مفهوما في هذا المنهج الشامل البصير . .
{ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون واتقوا النار التي أعدت للكافرين وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون }
الربا : هو ربح المال يقال ربا المال يربو رباء أي زاد وأربى الشيء على الشيء أي زاد عليه .
أضعافا مضاعفة : أي زيادات مكررة وأضعافا جمع ضعف وضعف الشيء مثله الذي يصير به اثنين .
مضاعفة : فيه إشارة إلى تكرار التضعيف مرة بعد مرة .
130- { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون } .
من شان القرآن أن يعني بتربية المؤمنين وإرشادهم وتعليمهم وفي الآية السابقة دروس وعبر من غزوة أحد وغزوة بدر وفي الآيتين 130-131 دروس في تحريم الربا وتحذير من عقاب آكله .
وهي سنة القرآن في تخون المؤمنين بالموعظة والأمر والنهي والترغيب والترهيب والانتقال بالنفس البشرية من خبر إلى أمر إلى نهي . . رغبة في حمل النفس على تقبل الأوامر واجتناب النواهي والتزام الطاعة .
لما شرح الله عظيم نعمه على المؤمنين فيما يتعلق بإرشادهم إلى الأصلح لهم في أمر الدين وفي أمر الجهاد أتبع ذلك بما يدخل في الامر والنهي والترغيب والترهيب فقال : { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة . . } 81 .
وكان الرجل في الجاهلية إذا كان له على إنسان مائة درهم مثلا إلى أجل فإذا حل الأجل ولم يكن المدين واجدا لذلك المال قال : زدني في المال حتى أزيد في الأجل فربما جعله مائتين ثم إذا حل الأجل الثاني فعل مثل ذلك ثم إلى آ جال كثيرة فيأخذ بسبب تلك المائة أضعافها فهذا هو المراد من قوله : أضعافا مضاعفة82 .
( كان يهود من المدينة من أشهر المتعاملين بالربا فنهي الله سبحانه المؤمنين أن يرتكبوا هذه الفعلة النكراء فإن الربا يجتث مال الفقير ويضيع جهده ويزيد في ثراء الأغنياء مع الدعة والراحة . . وهو الذي يقطع أواصر المودة والتعاطف بين الناس83 .
وقد سبق حديث عن الربا في الآية 275-276 من سورة البقرة وفيهما ما يدل على تحريم الربا قليلة وكثيرة عاجلة وآجلة وأن ليس للدائن سوى رأس ماله .
قال تعالى : { الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا واحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم . البقرة 275-276 ) .
وقد ابتدأ سبحانه الآية التي نفسرها بقوله :
{ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا . . } .
لبيان ان الربا ليس من شأن المؤمنين وإنما هو من سمات الكافرين الفاسقين .
وإذا كان الكافرون يستكثرون من تعاطي الربا فعلى المؤمنين أن يجتنبوا هذا الفعل القبيح وان يتحروا الحلال في كل أمورهم .
وخصه بالنهي لأنه كان شائعا في ذلك الوقت ولأنه كما ي قول القرطبي هو الذي أذن فيه بالحرب في قوله تعالى : { فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله } . والحرب يؤدن بالقتل فكأنه يقول لهم : إن لم تتقوا الربا هزمتم وقتلتم84 .
والمراد من الأكل الأخذ وعبر عنه بالأكل لما أنه معظم ما يقصد به ولشيوعه في المأكولات مع ما فيه من زيادة التشنيع .
والربا معناه الزيادة والمراد بها هنا تلك الزيادة التي كانت تضاف على الدين .
قال الإمام ابن جرير : عن عطاء قال : كانت ثقيف تداين بني المغيرة في الجاهلية فإذا حل الأجل قالوا : نزيدكم وتؤخرون .
وقال ابن زيد كان أبي زيد بن ثابت يقول : إنما كان ربا الجاهلية في التضعيف يكون للرجل على الرجل دين فيأتيه إذا حل الأجل فيقول : " تقضيني أو تزيدني " 85 .
وقوله : أضعافا حال من الربا وقوله مضاعفة صفة له .
الأضعاف جمع ضعف وضعف الشيء مثله وضعفاه مثلاه وأضعافه أمثاله .
وهذا القيد وهو قوله : أضعافا مضاعفة ليس لتقيد النهي به أي ليس للنهي عن أكل الربا في هذه الحالة وإباحته في غيرها بل هذا القيد لمراعاة الواقع ولبيان ما كانوا عليه في الجاهلية من التعامل الفاسد المؤدي إلى استئصال المال ولتوبيخ من كان يتعاطى بتلك الصورة البشعة .
وقد حرم الله تعالى أصل الربا ومضاعفته ونفر منه تنفيرا شديدا فقال تعالى : { الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا . . }
وهذا النوع من الربا الذي نهى الله عنه هنا قوله : { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة } هو الذي يسمى عند الصحابة والفقهاء بربا النسيئة أو ربا الجاهلية وقد حرمه الإسلام تحريما قاطعا فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع : " ألا إن ربا الجاهلة موضوع أي مهدر وأول ربا أبدا ربا عمى العباس بن عبد المطلب " 86 .
وقال الإمام احمد ابن حنبل : عن ربا النسيئة يكفر من يجحد تحريمه .
ويقابل هذا النوع من الربا ربا البيوع وهو الذي ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه " البر بالبر مثلا بمثل يدا بيد والذهب بالذهب مثلا بمثل يدا بيد والفضة بالفضة مثلا بمثل يدا بيد . والشعير بالشعير مثلا بمثل يدا بيد . والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى " 87 .
وقد اتفق العلماء على ان بيع هذه الأصناف لابد ان يكون بغير زيادة بمثلها كقمح بقمح ولابد من قبضها وإذا اختلف الجنس كقمح الشعير جازت الزيادة ولابد من القبض في المجلس والتأخير يسمى ربا النساء والزيادة المحرمة تسمى ربا الفضل .
وللفقهاء في هذا الموضوع مباحث طويلة ليرجع إليها من شاء في مظانها : ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بأمر المؤمنين بخشية الله وتقواه فقال : { واتقوا الله لعلكم تفلحون } .
أي : واتقوا الله بأن تجعلوا بينكم وبين محارمه ساترا ووقاية لعلكم تنالون الفلاح في الدنيا والآخرة .
ولما كان الختم بهاتين الصفتين ربما أطمع في انتهاك الحرمات لاتباع الشهوات{[19097]} فكان مبعداً لمتعاطيه من الرحمة مدنياً من النقمة ، وكان أعظم المقتضيات للخذلان تضييعهم للثغر{[19098]} الذي أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بحفظه بسبب{[19099]} إقبالهم{[19100]} قبل {[19101]}إتمام هزيمة{[19102]} العدو على الغنائم{[19103]} للزيادة في الأعراض الدنيوية التي هي معنى{[19104]} الربا في اللغة إذ هو {[19105]}مطلق الزيادة{[19106]} أقبل تعالى عليهم بقوله : { يا أيها الذين آمنوا } أي أقروا بالإيمان ، صدقوا إيمانكم بأن { لا تأكلوا الربا } أي المقبح{[19107]} فيما تقدم أمره غاية التقبيح ، وهو كما ترى إقبال متلطف{[19108]} منادٍ لهم باسم الإيمان الناظر إلى الإنفاق المعرض عن التحصيل{ ومما رزقناهم ينفقون{[19109]} }[ البقرة : 3 ] ؛{ والمنفقين والمستغفرين بالأسحار{[19110]} }[ آل عمران : 17 ] ؛{ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون{[19111]} }[ آل عمران : 92 ] ناهٍ عن الالتفات إلى الدنيا بالإقبال على غنيمة أو غيرها بطريق الإشارة بدلالة التضمن ، إذ المطلق جزء المقيد ، ففي هذه العبارة التي صريحها ناهٍ عن الإقبال على الدنيا إقبالاً{[19112]} يوجب الإعراض عن الآخرة باستباحة أكل الربا المتقدم في البقرة من النهي عنه من المبالغة ما يردع من له أدنى تقوى ، ويوجب لمن لم يتركه{[19113]} وما يقاربه الضمان بالخذلان في كل زمان
{ فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله{[19114]} }[ البقرة : 278 ] ، { أولئك{[19115]} الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون }[ البقرة : 86 ] .
ولما كان في تركه الإثخان في العدو بعد زوال المانع منه بالهزيمة مع أن فيه من حلاوة الظفر ما يجل عن الوصف لأجل الغنيمة التي هي لمن{[19116]} غلب{[19117]} ، وليس في المبادرة إلى حوزها كبير فائدة ، دلالة على تناهي الحب للتكاثر ، ناسب المقام ربا التضعيف فقال : - أو يقال : لما كان سبب الهزيمة طلبهم الزيادة بالغنيمة ، وكان حب الزيادة حلالاً قد يجر إلى حبها
حراماً ، فيجر إلى الربا المضاعف ، لأن من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه قال - : { أضعافاً مضاعفة } أي لا تتهيؤوا{[19118]} لذلك بإقبالكم على مطلق الزيادة ، فإن المطلوب منكم بذل المال فضلاً عن الإعراض عنه فضلاً عن الإقبال عليه ، فالحاصل أنه دلت على الربا بمطابقتها ، وعلى مطلق
الزيادة بتضمنها ، وهي من وادي{[19119]} قوله صلى الله عليه وسلم : " من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه "
وختام الآية بقوله : { واتقوا الله } أي الملك الأعظم { لعلكم تفلحون } مشير إلى ذلك ، أي و{[19120]}اجعلوا بينكم وبين مخالفة نهيه عن الربا{[19121]} وقاية بالإعراض عن{[19122]} مطلق محبة الدنيا والإقبال عليها ، لتكونوا على رجاء من الفوز بالمطالب ، فمن له ملك الوجود وملكه فإنه دير بأن يعطيكم من ملكه إن اتقيتم ، ويمنعكم{[19123]} إن تساهلتم ، فهو{[19124]} نهي عن الربا بصريح العبارة ، وتحذير من أن يعودوا إلى ما صدر منهم من الإقبال على الغنائم قبل انفصال الحرب فعلاً{[19125]} وقوة بطريق الإشارة ، وهي من أدلة إمامنا الشافعي على استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه ، والذي دلنا{[19126]} على إرادة المعنى التضمني{[19127]} المجازي نظمها ، والناظم حكيم في سلك هذه القصة{[19128]} ووضعها في هذا الموضع ، فلا يقدح في ذلك أنه قد كان في هذه القصة أمر يصلح أن يكون سبباً لنزول هذه الآية ووضعها عنا ، لأن ذلك غير لازم ولا مطرد ، فقد كان حلفه{[19129]} صلى الله عليه وسلم أنه يمثل بسبعين منهم كما مثلوا بعمه حمزة رضي الله عنه سبباً لنزول آخر سورة النحل{ وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به{[19130]} }[ النحل : 126 ] إلى آخرها ، ولم توضع هنا ، والأمر الصالح لأن يكون سبباً لها ما روى أبو داود في سننه بسند رجاله رجال الصحيح عن أبي هريرة أن عمروا بن أقيش{[19131]} رضي الله عنه كان له ربا في الجاهلية ، فكره أن يسلم حتى يأخذه ، فجاء يوم أحد فقال : أين بنو عمي ؟ قالوا : بأحد{[19132]} ، {[19133]}قال : أين{[19134]} فلان{[19135]} ؟ قالوا : بأحد ، قال : فأين فلان ؟ قالوا : بأحد ؛ فلبس لأمته وركب فرسه ثم توجه قبلهم ، فلما رآه{[19136]} المسلمون قالوا : إليك عنا يا عمرو ! قال : إني قد آمنت ، فقاتل حتى{[19137]} جرح ، فحمل إلى أهله جريحاً ، فجاءه سعد بن معاذ رضي الله عنه فقال لأخته : سليه : حمية لقومك أو غضباً لهم ، أم غضباً{[19138]} لله عز وجل ؟ فقال : بل غضباً لله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم ، فمات فدخل الجنة وما صلى لله{[19139]} عز وجل صلاة . والقصة في جزء{[19140]} عبيد الله بن محمد بن حفص العيشي{[19141]} - بالمهملة ثم التحتانية ثم المعجمة - تخريج أبي القاسم عبد الله ابن محمد بن عبد العزيز البغوي ، والجزء السابع عشر من المجالسة للدينوري من طريق حماد بن سلمة شيخ{[19142]} أبي داود ، ولفظ العيشي{[19143]} : إن عمرو بن وقش - وقال الدينوري : أقيش - كان له ربا في الجاهلية ، وكان يمنعه ذلك{[19144]} الربا من الإسلام حتى يأخذه ثم يسلم ، فجاء ذات يوم ورسول الله صلى الله عليه وسلم - زاد الدينوري : وأصحابه بأحد فقال : أين سعد ابن معاذ ؟ وقال العيشي{[19145]} : فقال لقومه : أين سعد بن معاذ ؟ قالوا : هو بأحد ، قال الدينوري : فقال : أين بنو أخيه ؟ قالوا : بأحد ، فسأل عن قومه ، فقالوا : بأحد ، فأخذ سيفه ورمحه ولبس لأمته ، ثم أتى أحداً ؛ وقال الدينوري : ثم ذهب إلى أحد ، فلما رآه المسلمون قالوا : إليك عنا يا عمرو ! قال : إني قد آمنت ! فقاتل فحمل إلى أهله جريحاً ، فدخل عليه{[19146]} سعد بن معاذ فقال - يعني لامرأته - : سليه ! وقال العيشي : فقال لأخته : ناديه ، فقولي ؛ وقال الدينوري : فقالت : أجئت غضباً لله ورسوله أم حمية وغضباً لقومك ؟ فنادته ، فقال : جئت غضباً لله ورسوله ! فمات فدخل الجنة ولم يصل لله قط ؛ وقال الدينوري : قال أبو هريرة : ودخل الجنة ، وما صلى لله صلاة .
ورواها ابن إسحاق والواقدي عن أبي هريرة رضي الله عنهم{[19147]} أنه كان يقول : حدثوني عن رجل دخل الجنة لم يصلِّ قط ؛ وقال الواقدي : أخبروني برجل يدخل الجنة لم يسجد{[19148]} لله قط ، فيسكت الناس ، فيقول أبو هريرة رضي الله عنه : هو أخو بني عبد الأشهل ؛ وقال ابن إسحاق : فإذا لم يعرفه الناس سألوا : من هو ؟ فيقول : أصيرم بني عبد الأشهل عمرو بن ثابت{[19149]} بن وقش{[19150]} رضي الله تعالى عنه ؛ زاد ابن إسحاق : قال الحصين{[19151]} - يعني شيخه : فقلت لمحمود بن لبيد : كيف كان شأن الأصيرم ؟ قال : كان يأبى الإسلام على قومه ، فلما كان يوم{[19152]} خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد بدا له في الإسلام فأسلم ، ثم أخذ سيفه فغدا{[19153]} حتى دخل في عرض الناس ، فقاتل حتى أثبتته{[19154]} الجراحة ، فبينما{[19155]} رجال من بني عبد الأشهل يلتمسون قتلاهم{[19156]} في المعركة إذا هم به ، فقالوا : والله إن هذا للأصيرم{[19157]} ! ما جاء به ؟ لقد تركناه وإنه لمنكر بذا{[19158]} الحديث ! فسألوه ما جاء به ، فقالوا : ما جاء بك يا عمرو ؟ أحدب{[19159]} على قومك أم رغبة في الإسلام ؟ فقال : بل رغبة في الإسلام ، آمنت بالله وبرسوله وأسلمت{[19160]} ، ثم أخذت سيفي فغدوت{[19161]} مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم{[19162]} قاتلت حتى أصابني ما أصابني . ثم لم يلبث أن مات في أيديهم ، فذكروه{[19163]} لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " إنه لمن أهل الجنة " والمعنى على هذا : يا أيها الذين{[19164]} يريدون الإيمان ! لا تفعلوا مثل فعل الأصيرم في تأخير إيمانه لأجل الربا ، بل سابقوا الموت لئلا يأتيكم بغتة فتهلكوا ، أو يا أيها الذين أخبروا عن أنفسهم بالإيمان ورسوخ{[19165]} الإذعان في أنفسهم والإيقان{[19166]} بمر الزمان ! افعلوا{[19167]} مثل فعله{[19168]} ساعة أسلم{[19169]} في صدق الإيمان وإسلام نفسه إلى ربه بركوب الأهوال في غمرات القتال من غير خوف ولا توقف ولا التفات إلى أمر دنيوي وإن عظم ؛ فقد بان أنه نبه بالإشارة إلى قصة بدر ثم بهذه الآية على أن من أعرض عن الدنيا حصلت له بعز وإن كان قليلاً ، ومن أقبل عليها فاتته بذل وإن كان كثيراً{[19170]} جليلاً ، لأن مَن له ملك السماوات والأرض يفعل ما{[19171]} يشاء ، ولا تفيد{[19172]} الآية إباحة مطلق الفضل في الربا ما لم ينته إلى{[19173]} الأضعاف المضاعفة ، لأن إفهامها لذلك معارض لمنطوق{[19174]} آيات البقرة الناهية عن مطلق الربا ، والمفهوم لا يعمل به إذا عارض منطوق نص آخر ، وهذا من مزيد الاعتناء بشأن الربا إذ حرم كل نوع منه في آية تخصه ، فحرم ربا الفضل في آيات البقرة ، ويلزم من تحريمه تحريم ربا الأضعاف ، ثم نص عليه في هذه الآية ، فصار محرمأً مرتين : مفهوماً ومنطوقاً ، مع ما أفاد ذكره من النكت{[19175]} التي{[19176]} تقدم التنبيه عليها .