في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قُلۡ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّهُۥ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا} (6)

وفي قولهم : إنها أساطير الأولين إشارة إلى بعدها في الزمان ؛ فلا يعلمها محمد [ صلى الله عليه وسلم ] إلا أن تملى عليه من حفاظ الأساطير ، الذين ينقلونها جيلا عن جيل . لذلك يرد عليهم بأن الذي يمليها على محمد أعلم من كل عليم . فهو الذي يعلم الأسرار جميعا ، ولا يخفى عليه نبأ في الأولين والآخرين : ( قل : أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض ) . . فأين علم حفاظ الأساطير ورواتها من ذلك العلم الشامل ? وأين أساطير الأولين من السر في السماوات والأرض ? وأين النقطة الصغيرة من الخضم الذي لا ساحل له ولا قرار ?

ألا إنهم ليرتكبون الخطيئة الكبيرة ، وهم يدعون على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] تلك الدعوى المتهافتة ؛ ومن قبل يصرون على الشرك بالله وهو خلقهم . . ولكن باب التوبة مع ذلك مفتوح ، والرجوع عن الإثم ممكن ، والله الذي يعلم السر في السماوات والأرض . ويعلم ما يفترون وما يكيدون ، غفور رحيم : ( إنه كان غفورا رحيما ) . .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قُلۡ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّهُۥ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا} (6)

المفردات :

قل أنزله : رد عليهم .

يعلم السر : ما يسره أهل السماوات والأرض في نفوسهم ، والمراد : اشتماله على مغيبات وأشياء خفية ، لا يعلمها إلا عالم الأسرار ، فكيف تجعلونه أساطير الأولين .

التفسير :

6 – { قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا } .

قل لهم يا محمد : الذي أنزل هذا الكتاب هو الله ، عالم الأسرار والخفايا ، والمطلع على أعمال السابقين واللاحقين ، لذلك اشتمل القرآن على أخبار لم ترد في التوراة والإنجيل ، أو وردت محرفة فصوبها القرآن ، وبين الصواب للمختلفين .

قال تعالى : { إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } . ( النمل : 76 ) .

وقال عز شأنه : { الم *اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ } . ( آل عمران : 1 – 3 ) .

فالقرآن مصدق لما سبقه من الكتب والصحف ، وهو أيضا مهيمن عليها ، يبين ويوضح ما حرف فيها وغير ، ويصوب الخطأ ، ويزيد على ما فيها ، ولو كان القرآن ناقلا عن أهل الكتاب ، ما زاد على ما عندهم ، ولا صوب أخطاءهم ، ولا قوم اعوجاجهم ، ولا بين انحرافهم .

قال تعالى : { فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم . . . } ( النساء : 160 ) .

وقال عز شأنه : { كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } . ( آل عمران : 93 ) .

لقد سجل القرآن على اليهود تحريف التوراة ، والزيادة فيها ، والنقص منها .

قال تعالى : { أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } . ( البقرة : 75 ) .

وقال عز شأنه : { وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } . ( آل عمران : 78 ) .

والخلاصة : أن القرآن منزل من عند الله وحده ، وهو سبحانه حليم غفور يمهل العصاة ، ويغفر للمذنبين ، ويقبل توبة التائبين ، فتوبوا إليه حتى يقبلكم .

في أعقاب الآية :

إن المسلم يعتز بهذا الكتاب الذي نسبه الله إلى نفسه ، فقد خلا من التعارض والتضارب ، قال تعالى : { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا } . ( النساء : 82 ) .

ولو كان محمد مستعينا بأحد من الخلق ، لسهل عليهم الاستعانة بآخرين ، ليأتوا بمثل ما أتى به محمد ، فلما عجزوا ، واستمر عجزهم مع وجود التحدي ، دل ذلك على أن القرآن ليس من صنع بشر ، بل تنزيل من حكيم حميد .

ثم إن القرآن مشتمل على الإعجاز العلمي والغيبي فقد أخبر عن أمم بائدة ، وأخبر عن أمور علمية ، تتصل بالعسل وأنه فيه شفاء ، وأهمية اللبن ، وقلة الأوكسجين في طبقات الجو العليا ، وأن الجلد مركز الإحساس ، وأن الكون مشتمل على تكامل وتجانس ونظام وإبداع . ما ترى في خلق الرحمان من تفاوت . . . ( الملك : 3 ) . كما تحدث القرآن عن بدء الخليقة ، وخلق السماوات والأرض ، والفضاء والجبال والهواء والإنسان ، ولم يصطدم ذلك ولا غيره بأي حقيقة علمية ، بل كلما تقدم العلم ، جاء بما يؤكد صدق هذا الكتاب ، وصدق الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى : { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ . . . } ( فصلت : 53 ) .

فالله هو المطلع وحده على هذا الكون وما فيه من أسرار وخفايا ، وهو وحده الغفور الرحيم ، قال تعالى : { قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا } .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{قُلۡ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّهُۥ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا} (6)

{ قل أنزله الذي يعلم السر } رد على الكفار في قولهم ويعني بالسر : ما أسره الكفار من أقوالهم ، أو يكون ذلك على وجه التنصل والبراءة مما نسبه الكفار إليه من الافتراء أي : أن الله يعلم سري فهو العالم بأني ما افتريت عليه بل هو أنزله عليّ ، فإن قيل : ما مناسبة قوله : { إنه كان غفورا رحيما } لما قبله ؟ فالجواب أنه لما ذكر أقوال الكفار : أعقبها بذلك ، لبيان أنه غفور رحيم في كونه لم يعجل عليهم بالعقوبة بل أمهلهم ، وإن أسلموا تاب عليهم وغفر لهم .