وعند هذا الحد يأخذ السياق في استعراض آيات الألوهية الواحدة فيما خلق الله في الكون ، وفيما أودع الإنسان من صفات واستعدادات ، وفيما وهبه من نعم وآلاء ، مما لا يقدر عليه أحد إلا الله
وقد ذكر في الآية السابقة إنزال الكتاب - وهو خير ما أنزل الله للناس وفيه حياة الروح - فهو يتبعه بإنزال الماء من السماء ، وفيه حياة الأجسام :
( والله أنزل من السماء ماء ، فأحيا به الأرض بعد موتها . إن في ذلك لآية لقوم يسمعون )
والماء حياة كل حي : والنص يجعله حياة للأرض كلها على وجه الشمول لكل ما عليها ومن عليها . والذي يحول الموت إلى حياة هو الذي يستحق أن يكون إلها : إن في ذلك لآية لقوم يسمعون فيتدبرون ما يسمعون . فهذه القضية . قضية آيات الألوهية ودلائلها من الحياة بعد الموت ذكرها القرآن كثيرا ووجه الأنظار إليها كثيرا ، ففيها آية لمن يسمع ويعقل ويتدبر ما يقال .
{ والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون65 وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين66 ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون67 وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون68 ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون69 } .
فأحيا به الأرض : المراد بحياة الأرض : إنباتها الزرع والشجر وإخراجها الثمر .
يسمعون : سماع تدبر وفهم ، بقلوبهم لا بآذانهم .
65 { والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون } .
نلحظ يد القدرة الإلهية في إعمار هذا الكون وحفظ توازنه ، فالشمس ترسل أشعتها على البحار والمحيطات ، فيتصاعد البخر إلى السماء ، فيرسل الله الرياح فتثير السحاب ، ثم يتساقط مطرا بمشيئة الله تعالى ، وهذا المطر يحيي الأرض ويتسبب في إنبات النبات والثمر ، وحياة الإنسان والحيوان ، وإعمار الكون ، قال تعالى : { ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت }( فصلت : 39 ) .
والمعنى : وإن من دلائل قدرة الله تعالى ، وإنزاله المطر ، حيث تنبت الأرض الثمار والأعناب وسائر النباتات ، وفي هذا آية ودليل على ألوهية الخالق ، { لقوم يسمعون }بقلوبهم ، وأفئدتهم ، دعوة الحق ؛ فيستجيبون لها .
{ 65 } { وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ } .
يذكر الله تعالى في هذه الآية نعمة من أعظم النعم ؛ ليعقلوا عن الله مواعظه وتذكيره ، فيستدلوا بذلك على أنه وحده المعبود ، الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده ؛ لأنه المنعم بإنزال المطر ، وإنبات جميع أصناف النبات ، وعلى أنه على كل شيء قدير ، وأن الذي أحيا الأرض بعد موتها قادر على إحياء الأموات ، وأن الذي نشر هذا الإحسان لذو رحمة واسعة وجود عظيم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.