في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ أَكۡثَرَ ٱلَّذِي هُمۡ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ} (76)

59

وبمناسبة الحديث عن علم الله المطلق يذكر ما ورد في القرآن من فصل الخطاب فيما اختلف عليه بنو إسرائيل ، بوصفه طرفا من علم الله المستيقن ، ونموذجا من فضل الله وقضائه بين المختلفين . ليكون هذا تعزية لرسوله [ صلى الله عليه وسلم ] وليدعهم لله يفصل بينه وبينهم بقضائه الأخير :

إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون ، وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين . إن ربك يقضي بينهم بحكمه وهو العزيز العليم . فتوكل على الله إنك على الحق المبين . إنك لا تسمع الموتي ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين ، وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون . .

ولقد اختلف النصارى في المسيح - عليه السلام - وفي أمه مريم .

قالت جماعة : إن المسيح إنسان محض ، وقالت جماعة : إن الأب والإبن وروح القدس إن هي إلا صور مختلفة أعلن الله بها نفسه للناس . فالله بزعمهم مركب من أقانيم ثلاثة ، الأب والابن وروح القدس [ والإبن هو عيسى ] فانحدر الله الذي هو الأب في صورة روح القدس وتجسد في مريم إنسانا وولد منها في صورة يسوع ! وجماعة قالت : إن الابن ليس أزليا كالأب بل هو مخلوق من قبل العالم ، ولذلك هو دون الأب وخاضع له ! وجماعة أنكروا كون روح القدس أقنوما ! وقرر مجمع نيقية سنة 325 ميلادية ، ومجمع القسطنطينية سنة 381 بأن الابن وروح القدس مساويان للأب في وحدة اللاهوت ، وأن الابن قد ولد منذ الأزل من الأب وأن الروح القدس منبثق من الأب . وقرر مجمع طليطلة سنة 589 بأن روح القدس منبثق من الابن أيضا . فاختلفت الكنيسة الشرقية والكنيسة الغربية عند هذه النقطة وظلتا مختلفتين . . . فجاء القرآن الكريم يقول كلمة الفصل بين هؤلاء جميعا . وقال عن المسيح : إنه كلمة الله ألقاها إلى مريم وروح منه وإنه بشر . . ( إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل ) . وكان هذا فصل الخطاب فيما كانوا فيه يختلفون .

واختلفوا في مسألة صلبه مثل هذا الاختلاف . منهم من قال : إنه صلب حتى مات ودفن ثم قام من قبره بعد ثلاثة أيام وارتفع إلى السماء . ومنهم من قال : إن يهوذا أحد حوارييه الذي خانه ودل عليه ألقي عليه شبه المسيح وصلب . ومنهم من قال : ألقي شبهه على الحواري سيمون وأخذ به . . وقص القرآن الكريم الخبر اليقين فقال : ( وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم )وقال : ( يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك . . )وكانت كلمة الفصل في ذلك الخلاف .

ومن قبل حرف اليهود التوراة وعدلوا تشريعاتها الإلهية ؛ فجاء القرآن الكريم يثبت الأصل الذي أنزله الله : ( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ، والعين بالعين ، والأنف بالأنف ، والأذن بالأذن ، والسن بالسن ، والجروح قصاص ) . .

وحدثهم حديث الصدق عن تاريخهم وأنبيائهم ، مجردا من الأساطير الكثيرة التي اختلفت فيها رواياتهم ، مطهرا من الأقذار التي ألصقتها هذه الروايات بالأنبياء ، والتي لم يكد نبي من أنبياء بني إسرائيل يخرج منها نظيفا ! . . إبراهيم - بزعمهم - قدم امرأته لأبيمالك ملك الفلسطينيين ، وإلى فرعون ملك مصر باسم أنها أخته لعله ينال بسببها نعمة في أعينهما ! ويعقوب الذي هو إسرائيل أخذ بركة جده إبراهيم من والده إسحاق بطريق السرقة والحيلة والكذب ؛ وكانت بزعمهم هذه البركة لأخيه الأكبر عيصو ! ولوط - بزعمهم - أسكرته بنتاه كل منهما ليلة ليضطجع معها لتنجب منه كي لا يذهب مال أبيها إذ لم يكن له وارث ذكر . وكان ما أرادتا ! وداود رأى من سطوح قصره امرأة جميلة عرف أنها زوجة أحد جنده ، فأرسل هذا الجندي إلى المهالك ليفوز - بزعمهم - بامرأته ! وسليمان مال إلى عبادة [ بغل ] بزعمهم . مجاراة لإحدى نسائه التي كان يعشقها ولا يملك معارضتها !

وقد جاء القرآن فطهر صفحات هؤلاء الرسل الكرام مما لوثتهم به الأساطير الإسرائيلية التي أضافوها إلى التوراة المنزلة ، كما صحح تلك الأساطير عن عيسى ابن مريم - عليه السلام .

وهذا القرآن المهيمن على الكتب قبله الذي يفصل في خلافات القوم فيها ، ويحكم بينهم فيما اختلفوا فيه هو الذي يجادل فيه المشركون ، وهو الحكم الفصل بين المتجادلين !

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ أَكۡثَرَ ٱلَّذِي هُمۡ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ} (76)

{ إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون( 76 ) وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين( 77 ) إن ربك يقضي بينهم بحكمه وهو العزيز العليم( 78 ) فتوكل على الله إنك على الحق المبين( 79 ) إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين( 80 ) وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون( 81 )* } .

المفردات :

بني إسرائيل : المراد بهم اليهود والنصارى ، وإسرائيل : يعقوب عليه السلام .

التفسير

76- { إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون }

ذكر تعالى أدلة واضحة على الألوهية ، وهنا يذكر أدلة على إعجاز القرآن ، وصدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ؛ فهذا النبي الأمي أنزل عليه وحي مهيمن على الكتب السابقة ، فهو يقص على اليهود والنصارى القول الفصل في أمور كثيرة يختلفون بشأنها .

فقد اتهم اليهود مريم ، وقالوا عنها بهتانا عظيما ، واختلف النصارى بشأن المسيح ، منهم من قال : إنه ابن الله ، ومنهم من قال : إنه أحد الأقانيم الثلاث الأب والابن وروح القدس .

وتعددت المجامع المسيحية ، واختلفت الكنيسة الغربية عن الكنيسة الشرقية فيما يتعلق بطبيعة المسيح ، وكان المذهب الملكاني ، مذهب روما ، ومذهب الحكام في مصر يرى أن الابن متصل بالأب قبل كلّ الأزمنة والدهور ؛ وهو جوهره ونوره اتحد بالإنسان المأخوذ من مريم .

والمذهب اليعقوبي مذهب الشعب القبطي في مصر يرى أن اللاهوت حلّ في الناسوت ، أي : أن الله حل في الإنسان ، فالمسيح مكون من جانب إلهي وجانب إنساني ، وكان المذهب اليعقوبي أقرب إلى روح الإسلام من المذهب الملكاني .

وكان زعماء اليعاقبة زعماء شعبيين ، هم رجال دين وهم قادة لمصر في وجه روما ، فلما جاء الإسلام إلى مصر ساعد الأقباط الفاتحين ، وقدموا للجيش الإسلامي العلوفة والمؤونة عند قدومهم ، كما أن المسلمين الفاتحين أحسنوا معاملة الأقباط ، وخلصوهم من ظلم الرومان ، وقد وردت أحاديث متعددة تحث على إكرام أهل مصر لأنهم أهل كتاب ، ولأن هاجر أم إسماعيل جدّ النبي صلى الله عليه وسلم منهم ، وكذلك مارية القبطية أم إبراهيم ابن النبي محمد صلى الله عليه وسلم .

روى مسلم في صحيحه ، أن رسول الله صلى الله عليه قال : ( ستفتح عليكم بعدي مصر ، وهي بلد يذكر فيها القيراط ، فاستوصوا بأهلها خيرا فإن لهم ذمة ورحما )20 . فالأقباط أهل كتاب ، ولهم قرابة بالأنبياء .

{ إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون }

لقد اختلف اليهود والنصارى بشأن الخنزير ، فاليهود تحرمه والنصارى تبيح أكله ، وقد بين القرآن أنه حرام ، كذلك موت عيسى ، منهم من قال : إنه قتل ، ومنهم من قال : دفن ثلاثة أيام ثم رفع إلى السماء .

وقد ذكر القرآن القول الفصل عن المسيح ؛ فهو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ، وقد نطق المسيح بأنه عبد الله ، فكان أول كلام له : { قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا } . [ النساء : 157 ] .

والخلاصة :

إن هذا الكتاب الذي أنزله الله على رسوله ، أخبر أخبارا صادقة ، وكان حكما عادلا بين المختلفين من أهل الكتاب ، وصوّب كثيرا من الأخطاء ، فقد اتهم اليهود الأنبياء بالزنا ، مثل نبي الله لوط ، الذي اتهموه مع ابنتيه أنه زنى بهما ، وأنجب منهما ، واتهموا حواء بأنها المسؤولة عن الأكل من الشجرة ، فصوب القرآن أفكارهم الخاطئة ، وحكى قصة آدم وبين أن المسؤولية مشتركة بين آدم وحواء ، وتحدث القرآن عن كثير من الأنبياء والرسل ، وصوب ما ورد في التوراة والإنجيل ، وكان القرآن هو الفيصل وهو القول الحق ؛ فصوب تشريعات القصاص التي حرفت في التوراة ، قال تعالى : { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص . . } [ المائدة : 45 ] .

وقد ذكرت التوراة عن آدم وحواء ما يأتي :

[ بينما الربّ يتمشى في الجنة نادى : يا آدم ، فقال آدم : يا رب إني عريان ، فقال الله : ما أعلمك أنك عريان ، لا بد أنك أكلت من الشجرة ، ما حملك على ذلك ؟ قال آدم : وسوست لي حواء ، قال الله : يا حوّاء ما حملك على ذلك ؟ قالت : وسوس لي الشيطان قال الله : يا شيطان ، كيف دخلت إلى الجنة ؟ قال الشيطان : دخلت في جوف الحية ، فقال الله للحية : أما إذ فعلت هذا فعمياء تعيشين ، وعلى بطنك تزحفين وترابا تأكلين ، وأجعل عداوة بينك وبين بني آدم فهو يرصد عقبك وأنت ترصدين عقبه ، وقال الله : يا حواء أما إذ فعلت هذا ، فإني أكثر عليك مشقات الحمل والولادة ، وأجعل الرجل سيدا عليك إلى يوم القيامة ، وقال الله : يا آدم أما إذ فعلت هذا فإنك لا تأكل رزقك إلا بعرق جبينك ، وكدّ يمينك }ا . ه .

ونلاحظ على هذا النص المنقول عن التوراة قوله : بينما الربّ يتمشى في الجنة ، والله في الإسلام علة العلل لا يحدّه مكان ، ولا يحويه زمان ، فهو أول بلا ابتداء ، وآخر بلا انتهاء ، وليس جسما ولا حالا في جسم ، وليس جوهرا ولا عرضا ، ولا كما ولا كيفا ، قال تعالى : { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } [ الشورى : 11 ] .

فالمشي خاص بالحوادث والإله منزه عن الطول والعرض ، والكم والكيف ، والمشي وسائر صفات الحوادث وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم قوله : ( أنت الأول فليس قبلك شيء . وأنت الآخر فليس بعدك شيء ، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء ، وأنت الباطن فليس دونك شيء )21 .

فالله في الإسلام هو القوة العظمى التي أوجدت هذا الكون ، وجعلته متكاملا ، وهو يمسك بزمام هذا الكون ، وهو الخالق للكون وللإنسان ، وللسماء والأرض ، وللشمس والقمر ، والبحار والأشجار ، والليل والنهار ، وقد كان الله ولا شيء معه ، والله ليس جسما ولا حالا في جسم ، وليس له طول ولا عرض ، ولا يحويه مكان ، لأن ذلك من صفات الحوادث ، والله قديم أبدي أزلي ، يَخلق ولا يُخلق ؛ ويجير ولا يجار عليه ، وليس له مثيل أو نظير أو مكافئ أو مساو أو معادل له ، قال تعالى :

{ قل هو الله أحد* الله الصمد*لم يلد ولم يولد*ولم يكن له كفؤا أحد } [ الإخلاص : 1-4 ] وكفوا أصلها كفؤا ، أي : مكافئ ومماثل ، فحذفت الهمزة فصارت كفوا .

كما أن القرآن الكريم أنصف حواء ، وبين أن المسؤولية مشتركة بين آدم وحواء ، وأشار إلى أن المرأة تابعة للرجل في سكنه ، قال تعالى : { ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة . . } [ الأعراف : 19 ] .

وقال سبحانه :

{ فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما روي عنهما من سوءاتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين*وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين*فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين*قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين* قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين*قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون } [ الأعراف : 20-25 ] .

ومن هذه الآيات نرى أن الإسلام أنصف المرأة ، حيث تفيد التوراة أنها سبب خطيئة آدم ، بينما يفيد القرآن أنهما [ آدم وحواء ] يتحملان مسؤولية الخطأ ، وقد اعترفا بذلك وتابا إلى الله تعالى .

وصوب القرآن فكرة أن المسيح صلب لتخليص البشرية من خطيئة آدم ، حيث ذكر القرآن أن باب التوبة مفتوح لجميع الناس ، ولا تتحمل نفس وزر نفس أخرى ، وأن العبد قريب من ربه ، فالله تعالى يقول : { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون } [ البقرة : 186 ] .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ أَكۡثَرَ ٱلَّذِي هُمۡ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ} (76)

وهذا خبر عن هيمنة القرآن على الكتب السابقة وتفصيله وتوضيحه ، لما كان فيها قد وقع فيه اشتباه واختلاف عند بني إسرائيل فقصه هذا القرآن قصا زال به الإشكال وبين به الصواب من المسائل المختلف فيها . وإذا كان بهذه المثابة من الجلالة والوضوح وإزالة كل خلاف وفصل كل مشكل كان أعظم نعم الله على العباد ولكن ما كل أحد يقابل النعمة بالشكر .