تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِنَّمَا سُلۡطَٰنُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوۡنَهُۥ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِۦ مُشۡرِكُونَ} (100)

98

المفردات :

يتولونه : بالطاعة ، يقال : توليته إذا أطعته ، وتوليت عنه أي : أعرضت .

به مشركون : أي : بسبب الشيطان وإغوائه مشركون مع الله آلهة أخرى .

التفسير :

{ إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون } .

إن الشيطان له تأثير وتوجيه وإغراء ، لمن وقع في حبه ، واستهواه طريقه ، فاتخذ الشيطان وليا ومرشدا وإماما ، وصار تابعا له ، يأتمر بأمره ، ويعمل بتوجيهه ، ويقع في محيط تأثيره ، فيصده الشيطان عن طريق التوحيد ، وصدق العقيدة ، ويدفعه إلى الشرك والعياذ بالله ، فأولياء الشيطان ، الذين استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة ، وغرتهم الشهوات ، واقترفوا السيئات ، وآثروا العاجلة ، وابتعدوا عن الآخرة ، فهؤلاء هم حزب الشيطان وبطانته ، وأهله وأولياؤه . وقريب من هذه الآيات قوله تعالى : { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين } . ( الحجر : 42 ) .

وقال تعالى : { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا } ( الإسراء : 65 ) .

وفي الحديث : ( المؤمن ينضي شيطانه كما ينضي أحدكم بعيره في سفره )67 .

يعني : أن المؤمن يتعب الشيطان ويزجره . ويقلل أهميته بسبب طاعته لله ، واستمرار هذه الطاعة ، فيزداد المؤمن يقينا ، ويزداد الشيطان بؤسا ويأسا ، وفي الأثر : " تلاقى شيطان المؤمن وشيطان الكافر ، فإذا شيطان المؤمن : هزيل ضعيف ، أشعث أغبر ، وإذا شيطان الكافر : بدين سمين ، نظيف قوي ، فقال شيطان الكافر لشيطان المؤمن : مالك ضعيف هزيل ؟ قال : أنا مع رجل إذا أكل ؛ سمى الله ؛ فأظل جوعانا ، وإذا شرب ؛ سمى الله ؛ فأظل عطشانا ، وإذا اكتسى ؛ سمى الله ؛ فأظل عريانا ، وإذا اغتسل ؛ سمى الله ؛ فأظل أشعثا أغبرا ، فقال شيطان الكافر : أنا مع رجل لا يذكر اسم الله ؛ فأنا أكيله وشريبه وضجيعه وشريكه ! .

وفي الحديث الشريف : يقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( كل إنسان معه شيطان ) ، قالوا : وأنت يا رسول الله ! قال : ( نعم ، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم ؛ فلا يأمر إلا بخير )68 .

وقريب من هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم : ( ما سلك عمر فجا إلا وسلك الشيطان فجا آخر ) ، فعمر لقوة إيمانه وصدق يقينه ؛ يهرب منه الشيطان ، ويترك الطريق الذي يمر منه ، فسلطان الشيطان إنما يكون على قوم يرغبون في المعاصي وتغريهم الشهوات ، ويسيطر عليهم الهوى .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{إِنَّمَا سُلۡطَٰنُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوۡنَهُۥ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِۦ مُشۡرِكُونَ} (100)

{ إِنَّمَا سلطانه على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ } أي يجعلونه والياً عليهم فيحبونه ويطيعونه ويستجيبون دعوته فالمراد بالسلطان التسلط والولاية بالدعوة المستتبعة للاستجابة لا ما يعم ذلك والتسلط بالقسر والإلجاء فإن في جعل التولي صلة { مَا } يفصح بنفي أرادة التسلط القسري فإن المقسور بمعزل عنه بهذا المعنى ، وقد نفى هذا أيضاً عن الكفرة في قوله تعالى حكاية عن اللعين : { وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ } [ إبراهيم : 22 ] فاستجبتم لي { والذين هُم بِهِ } أي بسبب الشيطان وإغوائه إياهم { مُّشْرِكُونَ } بالله تعالى ، وقيل : أي بإشراكهم الشيطان مشركون بالله تعالى ، وجوز أن يكون الضمير للرب تعالى شأنه والباء للتعدية ، وروي ذلك عن مجاهد ورجح الأول باتحاد الضمائر فيه مع تبادره إلى الذهن ، وفي إرشاد العقل السليم ما يشعر باختيار الأخير ، وذكر فيه أيضاً أن قصر سلطان اللعين على المذكورين غب نفيه عن المؤمنين المتوكلين دليل على أنه لا واسطة في الخارج بين التوكل على الله تعالى وتولي الشيطان وإن كان بينهما واسطة في المفهوم وأن من لم يتوكل عليه تعالى ينتظم في سلك من يتولي الشيطان من حيث لا يحتسب إذ به يتم التعليل ، ففيه مبالغة في الحمل على التوكل والتحذير عن مقابله .

وإيثار الجملة الفعلية الاستقبالية في الصلة الأولى لما مر آنفاً والاسمية في الثانية للدلالة على الثبات ، وتكرير الموصول للاحتراز عن توهم كون الصلة الثانية حالية مفيدة لعدم دخول غير المشركين من أولياء الشيطان تحت سلطانه .

/ وتقديم الأولى على الثانية التي هي بمقابلة الصلة الأولى فيما سلف لرعاية المقارنة بينها وبين ما يقابلها من التوكل على الله تعالى ولو روعي الترتيب السابق لانفصل كل من القرينتين عما يقابلها اه ، وقيل لما كان كل من الإيمان والتولي منشأ لما بعده قدم عليه ، وتقديم الجار والمجرور لرعاية الفواصل .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{إِنَّمَا سُلۡطَٰنُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوۡنَهُۥ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِۦ مُشۡرِكُونَ} (100)

{ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ } ، أي : تسلطه ، { عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ } ، أي : يجعلونه لهم وليا ، وذلك بتخليهم عن ولاية الله ، ودخولهم في طاعة الشيطان ، وانضمامهم لحزبه ، فهم الذين جعلوا له ولاية على أنفسهم ، فأزَّهم إلى المعاصي أزًّا ، وقادهم إلى النار قَوْدًا .