ثم بين سبحانه ما أجمل من قوله : { فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا } ؛ فقال :
{ ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا ( 25 ) قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض أبصر به وأسمع ما لهم من دونه من وليّ ولا يشرك في حكمه أحدا ( 26 ) }
25- { ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا } .
أي : أن أصحاب الكهف مكثوا نائمين في الكهف مدة طويلة هي ( 309 ) سنة بالتاريخ الهجري وهي تساوي ثلاثمائة سنة بالتاريخ الميلادي أو الشمسي .
وقد كانت عناية الله معهم ، حيث أرسل عليهم النوم وأرسل لهم الضوء والهواء ، وحجب عنهم حرارة الشمس عند شروقها وغروبها ، وألقى عليهم المهابة ، وحفظ الكلب معهم بفناء الكهف ، ومنع الناس من أن تعبث بهم .
وهذا البيان من الرسول النبي الأمي صلى الله عليه وسلم معجزة أيضا ؛ فهو لم يقرأ ولم يكتب ، ولم يطلع على كتب السابقين ؛ فمن أين له معرفة أن كل مائة سنة شمسية ، تزيد ثلاث سنين قمرية ، وكل ثلاث وثلاثين سنة شمسية تزيد سنة قمرية ، وكل سنة شمسية تزيد نحو أحد عشر يوما على السنة القمرية ؛ لا شك أنه قد أعلمه اللطيف الخبير ، بما أوحاه إليه ، وهداه لأقرب من هذا رشدا .
وقد حفل القرآن ببيان نظام الكون وتكامله ، وأثر الشمس في تصاعد البخار ، وسير السحاب ، ونزول المطر ، وإنبات النبات ، وغذاء الإنسان والحيوان . والله سبحانه هو الذي سخر الشمس والقمر والليل والنهار ، وأرسل الرسل لهداية الإنسان ، وأتم الله علينا النعم المادية والمعنوية . { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها . . . } ( إبراهيم : 34 ) .
{ وَلَبِثُواْ في كَهْفِهِمْ } أحياء مضروباً على آذانهم { ثلاث مِاْئَةِ سِنِينَ وازدادوا تِسْعًا } وهي جملة مستأنفة مبينة كما قال مجاهد لما أجمل في قوله تعالى : { فَضَرَبْنَا على ءاذَانِهِمْ في الكهف سِنِينَ عَدَدًا } [ الكهف : 11 ] واختار ذلك غير واحد ، قال في «الكشف » : فعلى هذا قوله تعالى : { قُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ } تقرير لكون المدة المضروب فيها على آذانهم هي هذه المدة .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَلَبِثُواْ في كَهْفِهِمْ ثلاث مِاْئَةِ سِنِينَ وازدادوا تِسْعًا } [ الكهف : 25 ] زعم بعض أهل التأويل أن مجموع ذلك خمس وعشرون سنة واعتبر السنة التي في الآية شهراً وهو زعم لا داعي إليه إلا ضعف الدين ومخالفة جماعة المسلمين وإلا فأي ضرر في إبقاء ذلك على ظاهره وهو أمر ممكن أخبر به الصادق ، ومما يدل على إمكان هذا اللبث أن أبا علي بن سينا ذكر في باب الزمان من الشفاء أن أرسطو ذكر أنه عرش لقوم من المتألهين حالة شبيهة بحالة أصحاب الكهف قال أبو علي : ويدل التاريخ على أنهم قبل أصحاب الكهف انتهى .
وفي الآية على ما قيل إشارة إلى أن المريد الذي يربيه الله سبحانه بلا واسطة المشايخ يصل في مدة مديدة وسنين عديدة والذي يربيه جل جلاله بواسطتهم يتم أمره في أربعينيات وقد يتم في أيام معدودات ، وأنا أقول لا حجر على الله سبحانه وقد أوصل جل وعلا كثيراً من عباده بلا واسطة في سويعات { لَهُ } تعالى شأنه { غَيْبَ السموات } عالم العلو { والأرض } [ الحجرات : 81 ] عالم السفل ، ولا يخفي أن عنوان الغيبية إنما هو بالنسبة إلى المخلوقين وإلا فلا غيب بالنسبة إليه جل جلاله ؛ ومن هنا قال بعضهم : إنه سبحانه لا يعلم الغيب بمعنى أنه لا غيب بالنسبة إليه تعالى ليتعلق به العلم ، لكن أنت تعلم أنه لا يجوز التكلم بمثل هذا الكلام وإن أول بما أول لما فيه ظاهراً من مصادمة الآيات .
{ 25-26 } { وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا * قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا }
لما نهاه الله عن استفتاء أهل الكتاب ، في شأن أهل الكهف ، لعدم علمهم بذلك ، وكان الله عالم الغيب والشهادة ، العالم بكل شيء ، أخبره بمدة لبثهم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.