4- { وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب } .
هذا العجب من أن يكون الرسول بشرا مثلكم مرت به البشرية ، وتكلم به الكفار في حق الرسل ، وقال الذين كفروا لرسلهم : { إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين * قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده . . . } [ إبراهيم : 10 ، 11 ] أراد الله أن يكون الرسول بشرا مثل الناس ، يحس بإحساسهم ، ويعرف قدراتهم وطاقاتهم ، وما يتقبلونه ويستحسنونه ، وما يطيقونه وما لا يطيقونه ، ويكون الرسول قدوة عملية أمامهم ، يلتزم بما يأمرهم به ، فيكون نموذجا للعمل بما يأمر به ، والترك لما ينهى عنه ، فالرسول محمد صلى الله عليه وسلم كان خُلقه القرآن ، يصلّي ويصوم ويزكّي ويحج ، ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وهو صادق أمين مجاهد ، يزور المرضى في أقصى المدينة ، يتعهد أصحابه ، يرحم الضعفاء ، يعلّم الرجال والنساء ، ويبلغ وحي السماء ، لكن الكفار رغبوا في رسالة غامضة تقوم على الأساطير التي كانت تروج بينهم قبل الإسلام ، ورفضوا الدين الواضح الذي يقوم على الحجة والمنطق والوضوح ، واستكثروا أن يكون اليتيم الفقير هو النبّي الرسول ، وكانوا يلقبون محمدا قبل الدعوة إلى الإسلام ، بالصادق الأمين ، فلما جاءهم بالرسالة كفروا به حسدا وعنادا ، وقالوا : إنه ساحر يفرّق بين المرء وقومه ، والمرء وأبيه وأمّه ، وهو كذّاب لا ينزل عليه الوحي من السماء لكنه يدّعى ذلك .
{ وَعَجِبُواْ أَن جَاءهُم مٌّنذِرٌ مّنْهُمْ } حكاية لأباطيلهم المتفرعة على ما حكى من استكبارهم وشقاقهم أي عجبوا من إنجاءهم رسول من جنسهم أي بشر أو من نوعهم وهم معروفون بالأمية فيكون المعنى رسول أمي ، والمراد أنهم عدوا ذلك أمراً عجيباً خارجاً عن احتمال الوقوع وأنكروه أشد الإنكار لا أنهم اعتقدوا وقوعه وتعجبوا منه { وَقَالَ الكافرون } وضع فيه الظاهر موضع الضمير غضباً عليهم وذماً لهم وإيذاناً بأنه لا يتجاسر على مثل ما يقولون إلا المتوغلون في الكفر والفسوق { هذا ساحر } فيما يظهره مما لا نستطيع له مثلاً { كَذَّابٌ } فيما يسنده إلى الله عز وجل من الإرسال والإنزال .
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك جانبا من أكاذيب المشركين الناتجة عن استكبارهم وشقاقهم فقال : { وعجبوا أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الكافرون هذا سَاحِرٌ كَذَّابٌ . أَجَعَلَ الآلهة إلها وَاحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ . وانطلق الملأ مِنْهُمْ أَنِ امشوا وَاْصْبِرُواْ على آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرَادُ } . .
وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات منها : " أن جماعة من قريش اجتمعوا فى نفر من مشيخة قريش ، فقال بعضهم لبعض : انطلقوا بنا إلى أبى طالب ، لنكلمه فى شأن ابن أخيه . . . فلما دخلوا على أبى طالب قالوا له : أنت كبيرنا وسيدنا ، فأنصفنا من ابن أخيك ، فمره فليكف عن شتم آلهتنا ، وندعه وإلهه .
فقال أبو طالب للنبى صلى الله عليه وسلم يا ابن أخى هؤلاء مشيخة قريش ، وقد سألوك أن تكف عن شتم آلهتهم ويدعوك وإلهك .
فقال صلى الله عليه وسلم : " يا عم ، أفلا أدعوهم إلى ما هو خير لهم ؟ قال : وإلام تدعوهم ؟ قال : أدعوهم أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها العرب ، ويملكون بها العجم " .
فقال أبو جهل بن القوم : ما هى وأبيك ؟ لنعطينها لك وشعرة أمثالها ، فقال صلى الله عليه وسلم : " تقولون : لا إله إلا الله " .
فنفر أبو جهل وقال : سلنا غير هذا .
فقال صلى الله عليه وسلم : " لو جئتمونى بالشمس حتى تضعوها فى يدى ، ما سألتكم غيرها "
فقاموا غضابا . وقالوا : والله لنشتمنك وإلهك الذى أرسلك بهذا " .
وقوله - تعالى - { وعجبوا . . . } مأخوذ من العجب ، وهو تغير فى النفس من أمر لا ترتاح إليه ، وتخفى لديها أسبابه .
أى : وعجب هؤلاء الكافرون من مجئ منذر منهم ينذرهم بسوء عاقبة الشرك . ويأمرهم بعبادة الله - تعالى - وحده .
{ وَقَالَ } هؤلاء { الكافرون } عندما دعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الدين الحق .
{ هذا سَاحِرٌ كَذَّابٌ } أى : قالوا : هذا الرسول ساحر لأنه يأتينا بخوارق لم نألفها ، وكذاب فيما يسنده إلى الله - تعالى - من أنه - سبحانه - أرسله إلينا .
وقال - سبحانه - : { وَقَالَ الكافرون } بالإِظهار دون الإِضمار ، لتسجيل الكفر والجحود عليهم . وللإِيذان بأن كفرهم هو الباعث لهم على وصف الرسول صلى الله عليه وسلم بما هو منزه عنه من السحر والكذب .
قوله تعالى : { وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ } : عجب مشركو العرب من أن يأتيهم مُبلِّغ من البشر يبلِّغهم دعوة ربهم ويحذرهم بأس الله بكفرهم وإشراكهم مع الله آلهة مزعومة وموهومة { وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ } أرادوا بالإشارة محمدا صلى الله عليه وسلم فقد كذبوه ورموه بالسحر ؛ إذ قالوا إنه يفرِّق بين الوالد وولده وبين المرء وزوجه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.