تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَمَّا جَآءَهُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٞ لِّمَا مَعَهُمۡ نَبَذَ فَرِيقٞ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ كَأَنَّهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ} (101)

السحر

( ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون( 101 ) واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم وقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون( 102 ) ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون( 103 ) (

101

التفسير :

101- ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون .

الرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم ، ووصفه بأنه جاءهم من عند الله فيه تعظيم له ، فإن عظمة المرسل تقتضي عظمة رسوله ، وفيه مع ذلك مبالغة في استنكار كفرهم .

أي ولما جاءهم رسول عظيم من عند الله مصدق لما معهم من التوراة من حيث إنه جاء على الوصف الذي وصفته التوراة لخاتم الرسل . كما أن كتابه الذي جاء به موافق لما فيها من قواعد التوحيد وأصول الدين والأخلاق وأخبار الأمم .

نبذ فريق من اليهود كتاب الله وهو التوراة التي بشرت بالنبي وأهملوها تاما كأنهم لا يعلمون أنها من عند الله أو أن محمدا رسول الله .

والواقع أنهم يعلمون ذلك علما يقينا ولكنهم نبذوه مكابرة وعنادا وجريا على سنتهم في نبذ العهود ، فإنه قد أخذ عليهم في التوراة أنه إذا جاءهم هذا الرسول المنعوت ، يؤمنون به وينصرونه ، فنقضوا هذا العهد بكفرهم به .

وقوله تعالى : وراء ظهورهم : كناية عن إعراضهم الشديد عنه وتوليهم عن تعاليمهم .

جاء في تفسير المنار :

ليس المراد بنبذ الكتاب وراء ظهورهم ، أنهم طرحوه برمته ، وتركوا التصديق به في جملته وتفصيله ، وإنما المراد أنهم طرحوا أجزاء منه وهو ما يبشر بالنبي صلى الله عليه وسلم ويبين صفاته ، ويأمرهم بالإيمان به وإتباعه ، فهو تشبيه لتركهم إياه وإنكاره ، بمن يلقى الشيء وراء ظهره حتى لا يراه فيتذكروه وترك الجزء منه كتركه كله ، لأن ترك البعض يذهب بحرمة الوحي من النفس ويجرى على ترك الباقي( 244 ) .

هل السحر حقيقة أم خداع ؟

السحر نوع من الابتلاء والاختبار ، أو نوع من البلاء الذي يتعرض له الناس في هذه الدنيا .

«والسحر ثابت بالحس والمشاهدة ونص القرآن وتواترت به الآثار عن الصحابة والسلف وأهل التفسير والحديث والفقهاء ، والسحر يؤثر مرضا وثقلا وعقدا وحبا وبغضا ونزيفا وغير ذلك من الآثار الموجودة والتي تعرفها عامة الناس وكثير منهم قد علمه ذوقا بما أصيب به » ( 240 ) .

رأى الإمام محمد عبده في السحر :

يذهب الأستاذ الإمام إلى أن السحر تخييل للأعين وخداع للناظرين ، ونستطيع أن نوجز آراءه في السحر فيما يلي :

1- السحر ليس جزءا من العقيدة الدينية بل هو من الأمور العادية والعلوم الإنسانية ، متروك إلى بحوث الناس وتقدم معلوماتهم عنه وتوضيحهم لحقائقه .

2- جاء ذكر السحر في القرآن في مواضع متعددة ومجموعها يدل على أن السحر أحد الشيئين :

أ‌- إما حيلة وشعوذة .

ب‌- وإما صناعة علمية خفية يعرفها بعض الناس ويجهلها الأكثرون فيسمون العمل بها سحرا لخفاء سببه ولطف مأخذه ، ويمكن أن يعد منه تأثير نفس في نفس أخرى .

3- السحر تخييل وخداع للأعين وليس حقيقة ، ولذلك قال سبحانه : يخيل إليهم من سحرهم أنها . تسعى فسحرة فرعون قد استعانوا بالزئبق على إظهار الحبال والعصي بصورة الحيات والثعابين وتخييل أنها تسعى .

4- اعتاد من يتخذ لسحر وسيلة أن يستعين بأسماء الجان والشياطين فيعتقد الدهماء أنهم يستجيبون له ويلقى ذلك في روعهم ، وهذا الوهم يصنع صنع السحر ولا يستطيع الساحر أن يؤثر إلا في شخص عزيمته هباء ونفسه هواء وعنده قابلية لتأثير غيره فيه ، فينتهز ذلك الساحر ليوهمه بما يشاء( 246 ) .

مذهب الأشعرية :

مذهب الأشعرية أن للسحر تأثيرا حقيقيا وليس كله حيلا ومنه أنه أثر في جسم النبي صلى الله عليه وسلم وخياله دون عقله وروحه فكان يخيل إليه أنه أتى نساءه ولم يكن آتاهن ولم يتجاوز هذا الحد( 246 ) .

تأمل في الموضوع :

والمتأمل في موضوع السحر يرى أن بعضه خداع وخفة حركة و براعة وحيلة وذكاء وتفرس .

وبعضه حقيقة نسلم بها كنوع من البلاء الذي يصيب الناس . قال تعالى : ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون .

وفي التراث الإسلامي والهدى النبوي ما يفيد أن هناك عدة أشياء تحمي الإنسان من السحر والحسد والشياطين منها :

1- قراءة آية الكرسي .

2- قراءة . قل هو الله أحد . والمعوذتين .

3- قراءة خواتيم صورة البقرة من قوله تعالى : آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون . . .

4- إخراج صدقة .

5- قراءة : ( لا إله إلا هو وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير ) عشر مرات بعد صلاة الصبح وبعد صلاة المغرب .

6- قراءة : ( باسم الله ما شاء الله لا قوة إلا بالله ) وفي الأثر : من أعجبه شيء من أهل أو مال أو ولد فقال باسم الله لا قوة إلا بالله لم ير فيه مكروها .

7- الاعتقاد الجازم واليقين الصادق بأن الله هو النافع وهو الضار وهو المانع وهو الكافي وأن أحدا لا ينفع ولا بضر إلا بإذن الله . وهذا العنصر الأخير هو أهم شيء في الموضوع وهو الصخرة العاتية التي تنكسر عليها آثار كل حسد أو سحر أو شر .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَمَّا جَآءَهُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٞ لِّمَا مَعَهُمۡ نَبَذَ فَرِيقٞ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ كَأَنَّهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ} (101)

قوله : { ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم } المقصود بالرسول الذي جاء من عند الله هو النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، وأما الذين أوتوا الكتاب فهم اليهود ، فقد جاءهم نبي الإسلام عليه السلام يدعوهم إلى منهج الله الحق وفيه التصديق لما معهم من كتاب- وهي التوراة- لكن فريقا منهم جحدوا وكذبوا . وذلك يدفعهم بالتكذيب لكتاب الله الذين بين أيديهم " التوراة " وفيها ذكر هذا النبي الخاتم في وضوح مكشوف كان يستبين لكل قارئ ؛ وعلى ذلك فإن تكذيبهم لنبوة الرسول محمد لهو نبذ للتوراة نفسها لما فيها من تصديق مسبق بهذا النبي وبشرى مسطورة به من قبل أن يأتي .

قوله : { كأنهم لا يعلمون } نبذ هؤلاء التوراة بميلهم عما فيها من تصديق لنبي الإسلام ومضوا يجعلون أصابعهم في آذانهم ؛ كيلا يصيخوا لنداء الحق وكأنهم لا علم لهم بحقيقة الأمر مع أنهم على علم سابق بالحقيقة التي كانوا يقفون عليها وهم يقرؤون التوراة . ومن أصدق ما يجيء في هذه القضية قول الله عن هؤلاء القوم في القرآن : { الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل } .