تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ثُمَّ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ أَنِ ٱتَّبِعۡ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ} (123)

120

{ ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين } .

وكان من أشرف ما أوتي إبراهيم من الفضائل ، أن أمر الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يتبع إبراهيم في إخلاصه في التوحيد ، وفي أصول الدين الثابتة في كل الشرائع .

قال المفسرون : وفيه دليل على جواز إتباع الفاضل للمفضول ، ولا ينقص ذلك من قدر الفاضل ، فالخصوصية لا تقتضي الأفضلية ، لقد كان إبراهيم أبا الملة ، وأبا الأنبياء ، { ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل . . . } ( الحج : 78 ) .

وفي هذا دليل على أن الإسلام رسالة الأنبياء جميعا ، يتحملها السابق ثم اللاحق ، فالإسلام رسالة إبراهيم ، ورسالة من جاء بعده من الرسل ، ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم ، الذي أمر بإتباعه حال كونه : { حنيفا } . مائلا عن الباطل ، متبعا للحق ، بريئا من الشرك والمشركين ، وقد تكرر هذا المعنى في القرآن الكريم ؛ مؤكدا أن شجرة الإسلام باسقة دعا إليها جميع الأنبياء .

قال تعالى : { قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون }( البقرة : 136 ) .

وقد روى البخاري في صحيحه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إنما مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى دارا فأتمها وأكملها إلا موضع لبنة ، فجعل الناس يقولون : ما أكمل هذه الدار ، وما أجملها لو وضعت هذه اللبنة ، فأنا هذه اللبنة ، وأنا خاتم الرسل )73 .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{ثُمَّ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ أَنِ ٱتَّبِعۡ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ} (123)

ولما قرر من عظمته في الدنيا والآخرة ما هو داعٍ إلى اتباعه ، صرح بالأمر به تنبيهاً على زيادة عظمته بأمر متباعد في الرتبة على سائر النعوت التي أثنى عليه بها ، وذلك كونه صار مقتدي لأفضل ولد آدم ، مشيراً إلى ذلك بحرف التراخي الدال على علو رتبته بعلو رتبة من أمر باتباعه فيما مهده مما أمر به من التوحيد والطريق الواضح السهل فقال سبحانه : { ثم أوحينا } ، أي : ثم زدناه تعظيماً وجلالة بأن أوحينا { إليك } وأنت أشرف الخلق ، وفسر الإيحاء بقوله عز وجل ترغيباً في تلقي هذا الوحي أحسن التلقي باقتفاء الأب الأعظم : { أن اتبع } ، أي : بغاية جهدك ونهاية همتك .

ولما كان المراد أصل الدين ، وحسن الاقتضاء فيه بسهولة الانقياد ، والانسلاخ من كل باطل ، والدعوة بالرفق مع الصبر ، وتكرير الإيراد للدلائل وكل ما يدعوا إليه العقل الصرف والفطرة السليمة ، عبر بالملة فقال تعالى : { ملة إبراهيم } ، ولا بعد في أن يفهم ذلك الهجرة أيضاً .

ولما كانت الحنيفية أشرف أخلاق إبراهيم عليه السلام ، فكانت مقصودة بالذات ، صرح بها فقال تعالى : { حنيفاً } ، أي : الحال كونك أو كونه شديد الانجذاب مع الدليل الحق ؛ ورغب العرب في التوحيد ونفرهم من الشرك بقوله تعالى : { وما كان } ، أي : بوجه من الوجوه { من المشركين * } .