ضيق : بفتح الضاد وكسرها ، الغم وانقباض الصدر .
{ واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون } .
تأتي هذه الآية لتأكيد الوصية بالصبر والاحتمال ، فالصبر طريق النجاح ، والصبر قد ذكر في القرآن في أكثر من سبعين موضعا ، والصبر نصف الإيمان ، فالإيمان نصفان ، نصف صبر ، ونصف شكر ، قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون }( آل عمران : 200 ) .
وقال سبحانه : { ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور }( الشورى : 43 ) .
{ واصبر وما صبرك إلا بالله } . أي : اصبر أيها الرسول على أذى قومك وفوض أمرك إلى الله ، فالصابر في عناية الله وحفظه ، ومعونته وتوفيقه ، أي : وما ثواب صبرك إلا بتوفيق الله ومعونته ، وما جزاؤك عليه إلا من عند الله ، قال تعالى : { إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } ( الزمر : 10 ) .
{ ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون } .
كان عليه الصلاة والسلام حريصا على هداية قومه ، ودعوتهم إلى الدين الإسلامي ، وكانوا يزيدون في إعراضهم وعنتهم .
لا تحزن على استمرارهم في الكفر ، ولا تكن ضيّق الصدر بعناد قومك ، وحرصهم على الكفر ، ومكرهم السيئ ، وفرارهم من الإيمان .
وقريب من هذه الآية قوله تعالى : { فلا يكن في صدرك حرج منه } ( الأعراف : 2 ) .
وقوله عز شأنه : { فلعلك تارك بعض ما يوحي إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل }( هود : 12 ) .
{ واصبر وما صبرك إلا بالله . . . } .
فهو الذي يعين على الصبر ، وضبط النفس ، والاتجاه إليه هو الذي يطامن من الرغبة الفطرية في رد الاعتداء بمثله ، والقصاص له بقدره . اه .
ومجمل الآية : لا تحزن بسبب كفر الكافرين ، وإصرارهم على ذلك ، وإعراضهم عن دعوتك ، ولا يضيق صدرك بمكرهم ؛ فإن الله تعالى ناصرك عليهم ومنجيك من شرورهم .
ولما كان التقدير : فاصبروا ، عطف عليه إفراداً له صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالأمر ، إجلالاً له وتسلية فيما كان سبب نزول الآية من التمثيل بعمه حمزه رضي الله عنه ، وتنويهاً بعظم مقام الصبر زيادة في حث الأمة ؛ لأن أمر الرئيس أدعى لامتثال أتباعه ، فقال تعالى : { واصبر } ، ثم أتبع ذلك بما يحث على دوام الالتجاء إليه المنتج للمراقبة والفناء عن الأغيار ثم الفناء عن الفناء ، لئلا يتوهم أن لأحد فعلاً مستقلاً فقال تعالى : { وما صبرك } ، أي : أيها الرسول الأعظم ! { إلا بالله } ، أي : الملك الأعظم الذي شرع لك هذا الشرع الأقوم وأنت قائم في نصره ، ولقد قابل هذا الأمر صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأعلى مقامات الصبر ، وذلك أنهم مثلوا بقتلى المسلمين في غزوة أحد إلا حنظلة الغسيل رضي الله عنه فإن أباه كان معهم فتركوه له ، فلما وقف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على عمه حمزة رضي الله عنه فوجدهم قد جدعوا أنفه وقطعوا أذنيه وجبوا مذاكيره وبقروا بطنه ، نظر إلى شيء لم ينظر قط إلى أوجع لقلبه منه فقال :
" رحمة الله عليك ، فإنك كنت فعالاً للخير وصولاً للرحم ، ولولا أن تحزن صفية لسرني أن أدعك حتى تحشر من أجواف شتى ، أما والله ! لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين منهم " ، وقال الصحابة رضي الله عنهم : لنزيدن على صنيعهم ، فلما نزلت الآية بادر صلى الله عليه وعلى آله وسلم الامتثال ، وكان لا يخطب خطبة إلا نهى عن المثلة ، وأحسن يوم الفتح بأن نهى عن قتالهم وأعتقهم بعد أن صاروا في قبضته - صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم دائماً أبداً .
ولما كان - بعد توطين النفس على الصبر وتفريغ القلب من الأحنة - يرجع إلى الأسف على إهلاكهم أنفسهم بتماديهم على العتو على الله تعالى ، قال سبحانه : { ولا تحزن عليهم } ، أي : في شدة كفرهم فتبالغ في الحرص الباخع للنفس .
ولما كان سبحانه في مقام التبشير ، بالمحل الكبير والموطن الخطير ، الذي ما حازه قبل نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم بشير ولا نذير ، وذلك هو الإسراء إلى الملكوت الأعلى ، والمقام الأسمى من السماوات العلى ، في حضرات القدس ، ومحال الأنس ، ووطأ لذلك في سورة النعم بمقامات الكرم إلى أن قارب الوصول إليه ، أوجز في العبارة بحذف حرف مستغنى عنه دلالة عليه فقال : { ولا تك } ، بحذف النون أشارة إلى ضيق الحالة عن أدنى إطالة :
وأبرح ما يكون الشوق يوماً *** إذا دنت الديار من الديار
وهذا بخلاف ما يأتي في سورة النمل إن شاء الله تعالى : { في ضيق } ولو قل - كما لوح إليه تنوين التحقير بما يشير إليه حذف النون ، فإن أذى الكفار الذي السياق للتسلية عنه لا يضرك في المقصود الذي بعثت لأجله ، وهو إظهار الدين وقمع المفسدين بوجه من الوجوه ، { مما يمكرون * } ، أي : من استمرار مكرهم بك ، { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } ، وكأنك به ، وقد أتى فاصبر فإن الله تعالى معزك ومظهر دينك وإن كرهوا ؛
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.