تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَكُم بُرۡهَٰنٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ نُورٗا مُّبِينٗا} (174)

المفردات :

برهان : البرهان : الحجة والمراد به هنا : محمد صلى الله عليه وسلم ؛ لأن مهمته إقامة البرهان على إحقاق الحق ، وإبطال الباطل . وقيل : المراد به : المعجزات ، أو القرآن .

نورا : المراد به : القرآن الكريم ؛ لأنه ينير الطريق للسالكين .

التفسير :

173_ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ . . . الآية

تأتي الآيتان 175 ، 174 من سورة النساء دعوة إلى الناس كافة بالتأمل في صدق الدعوة المحمدية ، وهي آخر رسالات السماء إلى الأرض وقد اشتملت هذه الرسالة على أسباب السعادة الدنيوية والأخروية .

قال صاحب الظلال :

إن الرسالة الأخيرة تحمل برهانها من الله ، وهي نور كاشف للظلمات والشبهات ، فمن اهتدى بها ، واعتصم بالله من الشبهات المهلكة ، فسيجد رحمة الله تؤويه ، وسيجد فضل الله يشمله ، وسيجد في ذلك النور هدى إلى الصراط المستقيم {[166]} .

وقال الفخر الرازي : اعلم أنه تعالى- لما أورد الحجة على جميع الفرق من المنافقين والكفار واليهود والنصارى ، وأجاب عن جميع شبهاتهم ، عمم الخطاب ، ودعا جميع الناس إلى الاعتراف برسالة محمد صلى الله عليه وسلم ، فقال : يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ .

والبرهان هو- محمد- صلى الله عليه وسلم وإنما سماه برهانا لان حرفته إقامة البرهان على تحقيق الحق وإبطال الباطل والنور المبين هو القرآن الكريم وسماه نورا ، لانه سبب لوقوع نور الإيمان في القلب {[167]} .

وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا . وأنزلنا إليكم القرآن المجيد ، أعظم الكتب التي أنزلناها لهداية البشر ، وإخراجهم من الظلمات إلى النور .

وسماه : نورا مبينا ، إذ هو كالنور ، يضيء الطريق ، ويظهر الحق ، ويهدي إلى سبيل الخير والرشاد . وقد تحدثت الآية عن نعمتين عظيمتين :

النعمة الأولى : إرسال محمد صلى الله عليه وسلم أعظم نعم الله على الناس .

النعمة الثانية : إنزال القرآن هدى للمتقين .

والناس- بالنسبة لهاتين- النعمتين الجليلتين- فريقان : فريق المؤمنين وقد بين الله حالهم العظيم في الآية التالية . وفريق الكافرين ، ولم تذكر الآيات هنا عقاب الكافرين إهمالا لهم ، أو لأن عاقبتهم السيئة معروفة لكل عاقل بسبب كفرهم وفسوقهم عن أمر الله .


[166]:في ظلال القرآن للأستاذ سيد قطب 6/21.
[167]:تفسير الفخر الرازي 11/119 طبعة عبد الرحمن محمد.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَكُم بُرۡهَٰنٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ نُورٗا مُّبِينٗا} (174)

ولما أزاح شبه جميع المخالفين من سائر الفرق : اليهود والنصارى والمنافقين{[24004]} ، وأقام الحجة عليهم{[24005]} ، وأقام الأدلة القاطعة على حشر جميع المخلوقات ، فثبت أنهم كلهم عبيده ؛ عمّ في الإرشاد لطفاً منه بهم فقال : { يا أيها الناس } أي كافة أهل الكتاب وغيرهم .

ولما كان السامع جديراً بأن يكون قد شرح صدراً بقواطع{[24006]} الأدلة بكلام وجيز جامع قال : { قد جاءكم برهان } أي حجة نيّرة واضحة مفيدة لليقين التام ، وهو رسول مؤيد بالأدلة القاطعة من المعجزات وغيرها { من ربكم } أي المحسن إليكم بإرسال{[24007]} الذي لم تروا قط إحساناً إلا منه .

ولما{[24008]} كان القرآن صفة الرحمن{[24009]} أتى بمظهر العظمة فقال : { وأنزلنا } أي بما لنا من العظمة والقدرة والعلم والحكمة على الرسول الموصوف ، منتهياً { إليكم نوراً مبيناً * } أي واضحاً في نفسه موضحاً لغيره ، وهو هذا القرآن الجامع بإعجازه وحسن بيانه بين تحقيق النقل وتبصير العقل ، فلم يبق لأحد من المدعوين به نوع عذر ، والحاصل أنه سبحانه لما خلق {[24010]}للآدمي عقلاً{[24011]} وأسكنه نوراً لا يضل ولا يميل مهما جرد ، ولكنه سبحانه حفّه بالشهوات والحظوظ والملل والفتور ، فكان في أغلب أحواله قاصراً إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ومن ألحقه سبحانه بهم ؛ أنزل كتبه بذلك العقل مجرداً عن كل عائق ، وأمرهم أن يجعلوا عقولهم تابعة له{[24012]} منقادة به ، لأنها مشوبة{[24013]} ، وهو مجرد لا شوب فيه بوجه .


[24004]:سقط من ظ.
[24005]:في ظ: خير.
[24006]:من ظ ومد، وفي الأصل: فقواطع.
[24007]:في ظ: بإحسان.
[24008]:زيد من ظ ومد.
[24009]:من ظ ومد، وفي الأصل: الرحمة.
[24010]:من ظ ومد، وفي الأصل: الادمي عقل.
[24011]:من ظ ومد، وفي الأصل: الادمي عقل.
[24012]:زيد من ظ ومد.
[24013]:من ظ ومد، وفي الأصل: متوبة.