تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَـٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّۚ إِنَّمَا ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلۡقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرۡيَمَ وَرُوحٞ مِّنۡهُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۖ وَلَا تَقُولُواْ ثَلَٰثَةٌۚ ٱنتَهُواْ خَيۡرٗا لَّكُمۡۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٞۘ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا} (171)

المفردات :

لاتغلوا : الغلو ؛ مجاوزة الحد . غلو النصارى في دينهم : إفراطهم في تعظيم عيسى ، حتى جعلوه إلها أو ابنا الله ، وغلو اليهود : مبالغتهم في الطعن في عيسى حتى اتهموه وأمه بما لا يليق .

المسيح : أصل المسيح ؛ الممسوح ، وسمي به عيسى .

كلمته : المراد بها : عيسى_ عليه السلام_ وأطلقت الكلمة عليه ؛ لأنه جاء بكلمة : كن . . بدون أب .

روح منه : رحمة منه ؛ لأنه رحمة من الله لمن آمن به .

تمهيد :

أنصف القرآن عيسى . فقد اتهم أمة بالزنى ، كما أنصفه من ادعاء النصارى بأنه إله أو نصف إله . والمسيحية ديانة من ديانات التوحيد .

قال صاحب الظلال :

( الثابت من البحث العلمي في تطور العقائد المسيحية أن عقيدة التثليث لم تصاحب المسيحية الأولى ، إنما دخلت إليها بعد فترة ، ودخلت إليها في خطوات متدرجة ودخلت إليها مع الوثنيين الذين دخلوا في المسيحية ولم يبرأوا بعد من التطورات الوثنية والآلهة المتعددة ، وقد ظل الموحدون المسيحيون يقامون إلى ما بعد القرن الخامس الميلادي على الرغم من كل ما لقوه من اضطهاد .

وما تزال فكرة التثليث تصدم عقول المثقفين من المسيحيين ، فيحاول رجال الكنيسة أن يجعلوها مقبولة لهم بشتى الطرق وبالإحالة إلى مجهودات لا ينكشف سرها للبشر إلا يوم يكشف الحجاب عن كل ما في السماوات وما في الأرض . {[160]}

171- يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ . وأهل الكتاب لفظة تعم اليهود والنصارى ، ولكن سياق النص هنا ، يخصصها بالنصارى .

وغلو النصارى في دينهم : أنهم أفرطوا في تقديس عيسى عليه السلام- حتى أخرجوه من مرتبة البشرية واتخذوه إلها من دون الله وجعلوه ابنا له .

من تفسير ابن كثير :

قوله تعالى : يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ . . . ينهى- سبحانه- أهل الكتاب عن الغلو والإطراء ، وهذا كثير في النصارى ، فإنهم تجاوزا الحد في عيسى حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله إياها ، فنقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلها من دون الله ، يعبدونه كما يعبدون الله .

وفي الصحيح عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم ، فإنما أنا عبده ، قولوا : عبد الله ورسوله " . {[161]}

وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ . أي : ولا تفتروا على الله كذبا لا أساس له ، ولا دلل يعتمد عليه ، وهو قول النصارى : المسيح ابن الله . ( التوبة 30 ) .

وهذا قول يناقض الدليل الواضح والقول الثابت إذ الإله لا يلد ، ولا يولد ، فإن ذلك أمارة الحدوث ، وعلامة الاحتياج .

إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ . أي : إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ، أرسله سبحانه لهداية الناس إلى الحق ، وليس إلها من دون الله ، ولا ابنا الله كما تدعون . وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ . أي : أنه تكون في بطن أمة ، وجد بسبب كلمة الله وأمره : ( كن ) كما قال تعالى : إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَل آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ . ( آل عمران : 59 ) .

وروح منه . أي : ونفخة منه لأن عيسى حدث بسبب نفخة جبريل في درع مريم ، فكان عيسى بإذن الله فنسب إلى أنه روح من الله ؛ لأنه بأمره كان ، وسمى النفخ روحا ؛ لأنه ريح تخرج من الروح .

قال تعالى : وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ . ( الأنبياء : 91 ) .

وقيل : المراد بقوله : وروح منه . أي : وذو روح من أمر الله ؛ لأنه سبحانه خلقه كما يخلق سائر الأرواح .

وقيل : الروح هنا بمعنى : الرحمة ، كما في قوله تعالى : وأيدهم بروح منه . أي : برحمة منه ونعمة . أي : أن عيسى- عليه السلام- لما كان رحمة من الله لقومه ونعمة عظيمة منه عليهم ، من حيث إنه كان يرشدهم إلى ما فيه سعادتهم في الدنيا ةالآخرة ، سمى روحا منه-سبحانه وتعالى- وكانت منه تشريفا وتعظيما له عليه السلام .

والمعنى : أن عيسى روح عظيم ، وهبة ، جليلة ، مبتدأة من الله .

تفسير للشيخ محمد أبو زهرة :

قال الشيخ أبو زهرة رحمة الله عليه : وقوله : وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ . أي : خلقه بكلمة منه وهي كن كما خلق آدم ، وكان عيسى بهذا كلمة الله ؛ لأنه خلقه بها ، فقد خلق من غير بدر يبدر في رحم أمه ، فما كان تكوينه نماء لبذر وجد ، وللأسباب التي تجري بين الناس ، بل كان السبب هو إرادة الله وحده وكلمته كن وبذلك سمى كلمة الله .

وتعلق النصارى بأن كون عيسى كلمة الله دليل على ألوهيته- تعلق باطل- فما كانت الكلمة من الله إلها يعبد ، وإنما سمى بذلك ؛ لأنه أنشأه بروح مرسل منه وهو جبريل الأمين ، وقد يقال : إنه نشأ بروح منه سبحانه أي : أنه أفاض بروحه في جسمه كما أفاض بها على كل إنسان كما قال تعالى : الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ ، ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ( السجدة : 7-9 )

والرأي الأول أولى ، وعلى ذلك يكون معنى قوله : أي : أنه نشأ بنفخ الله الروح فيه من غير توسيط سلالة بشرية ونطفة تتشكل إنسانا وذلك بالملك الذي أرسله وهو جبريل .

وسمى الله تعالى -عيسى- روحا باعتباره نشأ من الروح مباشرة ؛ ولأنه غلبت عليه الروحانية .

وبهذا يزول الوهم الذي سيطر على عقول من غالوا في شأن عيسى فنحلوه ما ليس له ، وما ليس من شأنه ، إذ جعلوه إلها ، أو ابن إله . {[162]}

ويقول الأستاذ سيد قطب :

إن كل مخلوق يوجد بكلمة من الله . إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ . ( يس : 82 ) ، فالكلمة هي توجه الإدارة ، وليس عيسى بدعا في ذلك فهو كلمة الله ، وروح منه . هو هذا الروح الذي كان به آدم إنسانا ، وجسده لا يزيد عنصرا واحدا على عناصر التراب ، ولا يتميزإلا بهذا الروح الذي تلقاه من الله ، هذا الروح كذلك تلقته مريم- على نحو لا ندركه نحن ، ولم تدركه هي ، بل عجبت أن يكون لها ولد ولم يمسسها بشر- فكان منه عيسى كما كان منه آدم ، كلاهما تلقاه أول مرة فإذا هو إنسان حي لا عن ولادة معهودة ، ولكن عن طريق مباشر ، وكلاهما فيه سواء مع بعض الاختلاف . {[163]}

فآمنوا بالله ورسوله . أي : إذا كان ذلك هو الحق في شأن عيسى ، فآمنوا بالله إيمانا حقا بأن تفردوه بالألوهية والعبادة ، وآمنوا برسله جميعا بدون تفريق بينهم ، ولا تغالوا في أحد منهم بأن تخرجوه عن طبيعته وعن وظيفته .

ولا تقولوا ثلاثة . ولم يقل : ولا تؤمنوا بثلاثة للإشارة إلى أن أمر الثلاثة قول يقولونه ، فإن سألتهم عن معناه تارة يقولون : الأب والابن والروح القدس ، أي : إنهم ثلاثة متفرقون ، وتارة يقولون : الأقانيم ( الصفات ) ثلاثة والذات واحدة .

جاء في تفسير الكشاف للزمخشري :

والذي يدل عليه القرآن التصريح منهم بأن الله والمسيح ومريم ثلاثة آلهة ، وأن المسيح ولد الله من مريم ، ألا ترى إلى قوله تعالى : أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ . ( المائدة : 116 ) .

وقالت النصارى المسيح ابن الله . والمشهور المستفيض عنهم أنهم يقولون في المسيح لاهوتية وناسوتية من جهة الأب والأم . {[164]}

وقد أفاض بعض العلماء في الرد على مزاعم أهل الكتاب في عقائدهم . {[165]}

انتهوا خيرا لكم . أي : انتهوا عن الشرك والتثليث يكن الانتهاء عن ذلك خيرا لكم ؛ لأنكم به تخرجون من العقيدة الناشئة عن الضلال والأوهام إلى العقيدة المبنية على الحجة والبرهان .

إنما الله إله واحد . أي : إنما الله واحد بالذات منزه عن التعدد بأي وجه من الوجوه ، متفرد في ألوهيته ، هو سبحانه الخالق لهذا الكون والمدبر لأمره .

سبحانه أن يكون له ولد . تنزه الله تنزيها عظيما ، لا حدود له ، عن أن يكون له ولد ؛ لأن اتخاذ الولد دليل الضعف وأمارة الحدوث ، وصفة العاجز المحتاج إلى من يعينه في حياته ، ويخلفه بعد مماته .

قال تعالى : ليس كمثله سيء وهو السميع البصير . ( الشورى : 11 )

له ما في السماوات وما في الأرض . أي : كل ما في السماوات وما في الأرض ملك إرادته فما هو محتاج ، ونسبة كل شيء إليه سبحانه هي نسبة الخلق إلى الخالق والمملوك إلى المالك ، يستوي في ذلك كل ما في الكون وكل من في الكون .

والتأمل يرى أنه سبحانه- في كل موضع نزه نفسه عن الولد ذكر كونه ملكا ومالكا لما في السماوات والأرض ؛ ليكون دليلا عليه ، إذ المعنى : تنزه الله عن أن يكون له ولد ؛ لأن له في السماوات وما في الأرض .

وكفى بالله وكيلا . أي : إن الله سبحانه ، كاف وحده في تدبير المخلوقات وفي حفظ هذا الكون فلا يحتاج إلى ولد يعينه ولا إلى إله آخر يدبر أمر الكون معه .


[160]:يقول صاحب الرسالة الأصول والفروع أحد شراح العقيدة المسيحية: (قد فهمنا ذلك على قدر طاقة عقولنا، ونرجو أن نفهمه فهما أكثر جلاء في المستقبل حين ينكشف لنا الحجاب عن كل ما في السماوات والأرض).. نقلا عن كتاب النصرانية للأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة.ا هـ وانظر في ظلال القرآن 6/18.
[161]:لا تطروني كما أطرت: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (3445) (6830) والدرامي في الرقاق (2784) وأحمد في مسنده (333،165،155) من حديث عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم عليه السلام فإنما أنا عبد فقولوا عبده ورسوله.
[162]:مجلة لواء الإسلام السنة 18 العدد 9 تفسير القرآن الكريم للشيخ محمد أبو زهرة.
[163]:في ظلال القرآن للأستاذ سيد قطب 6/19.
[164]:تفسير الكشاف 1/594.
[165]:انظر تفسير الآلوسي 6/26-36 وتفسير القاسمي 5/1765.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّۚ إِنَّمَا ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلۡقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرۡيَمَ وَرُوحٞ مِّنۡهُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۖ وَلَا تَقُولُواْ ثَلَٰثَةٌۚ ٱنتَهُواْ خَيۡرٗا لَّكُمۡۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٞۘ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا} (171)

ولما اقتضى السياق الأكمل فيما سبق إتمام أمر عيسى عليه الصلاة والسلام إذ كان الكلام في بيان عظيم جرأتهم وجفاءهم ، وكان{[23934]} ما فعلوا معه أدل دليل على ذلك ، وكان كل من أعدائه وأحبابه قد ضل في أمره ، وغلا في شأنه اليهود بخفضه ، والنصارى برفعه ؛ اقتضى قانون العلم والحكمة المشار إليهما بختام الآية السالفة بيان ما هو الحق من شأنه ودعاء الفريقين إليه{[23935]} فقال : { يا أهل الكتاب } أي{[23936]} عامة { لا تغلوا في دينكم } أي لا تفرطوا في أمره ، فتجاوزوا بسببه حدود{[23937]} الشرع وقوانين العقل { ولا تقولوا على الله } أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له شيئاً من القول { إلا الحق } أي الذي يطابقه الواقع ، فمن قال عن عيسى عليه الصلاة والسلام أنه لغير رشدة ، فقد أغرق في الباطل ، فإنه لو كان كذلك ما وقفت أمه للدوام على الطاعات ، ولا ظهرت عليها عجائب الكرامات ، ولا تكلم هو في المهد ، ولا ظهرت على لسانه ينابيع الحكمة ، ولا قدر على إحياء الموتى ، وذلك متضمن لأن الله تعالى العليم الحكيم أظهر{[23938]} المعجزات على يد من لا يحبه ، وذلك منافٍ للحكمة ، فهو كذب على الله بعيد عن تنزيهه ، ومن قال : إن الله أو ابن الله ، فهو أبطل وأبطل ، فإنه لو كان كذلك لما كان حادثاً ولما احتاج إلى الطعام والشراب وما ينشأ عنهما ، ولا قدر أحد على أذاه ولثبتت الحاجة إلى الصاحبة للإله ، فلم يصلح للإلهية ، وذلك أبطل الباطل .

ولما ادعى اليهود أنه غير رسول ، والنصارى أنه إله ، حسن تعقيبه بقوله : { إنما المسيح } أي المبارك الذي هو أهل لأن يمسحه{[23939]} الإمام بدهن القدس ، لما فيه من صلاحية الإمامة ، وهو أهل أيضاً{[23940]} لأن يمسح الناس ويطهرهم . لما له من الكرامة ، ولما ابتدأ سبحانه بوصفه الأشهر ، وكان قد{[23941]} يوصف به غيره بيّنه بقوله : { عيسى } ثم أخبر عنه بقوله : { ابن مريم } أتصل بها اتصال{[23942]} الأولاد بأمهاتهم ، لا يصح نسبته للبنوة{[23943]} إلى غيرها ، وليس هو الله ولا ابن الله - كما زعم النصارى { رسول الله } لا أنه لغير رشدة - كما كذب{[23944]} اليهود .

ولما كان تكّونه بكلمة الله من غير واسطة ذكر ، جعل نفس{[23945]} الكلمة فقال : { وكلمته } لأن كان بها من غير تسبب عن أب بل ، كوناً خارقاً للعوائد { ألقاها } أي أوصلها على [ علو {[23946]} ] أمره وعظيم قدرته إيصالا سريعا { إلى مريم } وحصلها{[23947]} فيها وزاده {[23948]} تشريفاً بقوله : { وروح } أي عظيمة نفخها فيما تكّون{[23949]} في مريم من الجسد الذي قام بالكلمة ، لا بمادة من ذكر ، والروح هو{[23950]} النفخ في لسان العرب ، وهو كالريح{[23951]} إلا أنه أقوى ، بما له من الواو والحركة المجانسة لها ، ولغلبة الروح عليه كان يحيي الموتى إذا اراد ، وأكمل شرفه بقوله : { منه } أي{[23952]} وإن كان جبرئيل هو النافخ ، وإذا وصف شيء بغاية الطهارة قيل{[23953]} : روح ، لا سيما إن كان به حياة في دين أو بدن .

ولما أفصح بهذا الحق سبب عنه قوله : { فآمنوا بالله } أي الذي لا يعجزه شيء ، ولا يحتاج إلى شيء { ورسله } أي عيسى عليه الصلاة والسلام وغيره عامة ، من غير إفراط ولا تفريط ، ولا تؤمنوا ببعض ولا تكفروا ببعض ، فإن ذلك حقاً هو الكفر الكامل - كما مر .

ولما أمرهم بإثبات الحق نهاهم{[23954]} عن التلبس بالباطل فقال : { ولا تقولوا } أي في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام { ثلاثة } أي استمروا أيها{[23955]} اليهود على التكذيب بما يقول فيه النصارى ، ولا تقولوا{[23956]} : إنه متولد من أب وأم لغير رشدة - المقتضي للتثليث ، وارجعوا أيها النصارى عن التثليث الذي تريدون به أن الإله بثلاثة وإن ضممتم{[23957]} إليه أنه إله واحد ، لأن ذلك بديهي البطلان ، فالحاصل أنه نهى كلاً عن التثليث وإن كان المرادان به مختلِفَين ، وإنما العدل فيه أنه ابن مريم ، فهما اثنان لا غير ، وهو عبدالله ورسوله وكلمته وروح منه .

ولما نهاهم عن ذلك بصيغة النهي صرح به في مادته مرغباً مرهباً{[23958]} في صيغة الأمر بقوله : { انتهوا } أي عن التثليث الذي نسبتموه{[23959]} إلى الله بسببه ، وعن كل كفر ، وقد أرشد سياق التهديد إلى أن التقدير : إن تنتهوا يكن الانتهاء { خيراً{[23960]} لكم } .

ولما نفى أن يكون هو الله{[23961]} ، كما تضمن قولهم ، حصر القول فيه سبحانه في ضد ذلك ، كما فعل في عيسى عليه الصلاة والسلام فقال : { إنما الله } أي الذي له الكمال كله ؛ ولما كان النزاع إنما هو في الوحدانية من حيث الإلهية ، لا من حيث الذات قال : { إله واحد } أي لا تعدد فيه بوجه .

ولما كان المقام عظيماً زاد في تقديره ، فنزهه{[23962]} عما قالوه فقال : { سبحانه } أي تنزه {[23963]}وبعد بعداً{[23964]} عظيماً وعلا علواً كبيراً{[23965]} { أن } أي عن أن { يكون{[23966]} له ولد } أي كما قلتم أيها النصارى ! فإن ذلك يقتضي{[23967]} الحاجة ، ويقتضي التركيب والمجانسة ، فلا يكون واحداً ؛ ثم علل ذلك بقوله : { له } أي لأنه إله واحد لا شريك له له{[23968]} { ما في السماوات } وأكد لأن المقام له فقال : { وما في الأرض } أي خلقاً ومِلكاَ ومُلكاً{[23969]} ، فلا يتصور أن يحتاج إلى شيء منهما{[23970]} ولا إلى شيء متحيّز فيهما ، ولا يصح بوجه أن يكون بعض ما يملكه المالك جزءاً منه وولداً له ، وعيسى وأمه عليهما الصلاة والسلام من ذلك ، وكل منهما محتاج إلى ما في الوجود .

ولما كان معنى ذلك أنه الذي دبرهما{[23971]} وما فيهما ، لأن الأرض في السماء ، وكل سماء في التي فوقها ، والسابعة في الكرسي ، والكرسي في العرش ، وهو ذو العرش العظيم لا نزاع في ذلك ، وذلك هو وظيفة الوكيل {[23972]}بالحقيقة ليكفي{[23973]} من وكله كل{[23974]} ما يهمه ؛ كان{[23975]} كأنه قيل : وهو الوكيل فيهما وفي كل ما فيهما في{[23976]} تدبير مصالحكم ، فبنى عليه قوله : { وكفى بالله } أي الذي أحاط بكل شيء علماً وقدرة { وكيلاً * } أي يحتاج إليه كل شيء ، ولا يحتاج هو{[23977]} إلى شيء ، وإلا لما كان كافياً .


[23934]:في ظ: كانوا.
[23935]:زيد من ظ.
[23936]:زيد من ظ.
[23937]:سقط من ظ.
[23938]:من ظ ومد، وفي الأصل: أعظم.
[23939]:من ظ ومد، وفي الأصل: يمحسه.
[23940]:زيد من ظ ومد.
[23941]:زيد من ظ ومد.
[23942]:في ظ: اتصالا.
[23943]:في ظ: بالنبوة.
[23944]:في ظ ومد: كذبت.
[23945]:زيد بعده في ظ: كل.
[23946]:زيد من ظ ومد.
[23947]:في ظ: حصل.
[23948]:في ظ: ازده ـ كذا.
[23949]:في ظ: يكون.
[23950]:من ظ ومد، وفي الأصل: "و".
[23951]:في ظ: كالقريح.
[23952]:سقط من ظ.
[23953]:في ظ: قتل ـ كذا.
[23954]:زيد من ظ ومد.
[23955]:سقط من ظ.
[23956]:في ظ: لا يقولوا.
[23957]:من ظ، وفي الأصل: ضمتهم.
[23958]:زيد من ظ ومد.
[23959]:في ظ: نهيتموه.
[23960]:في ظ: خير.
[23961]:زيدت الواو في ظ.
[23962]:من ظ ومد، وفي الأصل: متنزهة ـ كذا.
[23963]:من مد، وفي الأصل: بعده فدا، وفي ظ: بعده حدا ـ كذا.
[23964]:من مد، وفي الأصل: بعده فدا، وفي ظ: بعده حدا ـ كذا.
[23965]:من مد، وفي الأصل وظ: كثيرا.
[23966]:تقدم في الأصل على "أي عن" والترتيب من ظ ومد.
[23967]:من ظ ومد، وفي الأصل: تقتضي.
[23968]:زيد من مد.
[23969]:زيد من مد.
[23970]:زيد بعده في ظ: إلى.
[23971]:في ظ: دبرما.
[23972]:في ظ: الحقيقة لتكفي.
[23973]:في ظ: الحقيقة لتكفي.
[23974]:سقط من ظ.
[23975]:سقط من ظ.
[23976]:من مدن وفي الأصل وظ: من.
[23977]:سقط من ظ.