تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{طسٓمٓ} (1)

مقدمة السورة:

أهداف سورة القصص

سورة القصص مكية ، وآياتها 88 آية ، نزلت بعد سورة النمل ، وقد نزلت في الفترة المكية الأخيرة فيما بين الهجرة إلى الحبشة والإسراء ، وقد سميت بسورة القصص لاشتمالها على القصص الذي حكاه موسى لنبي الله شعيب في قوله سبحانه : { فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين } [ القصص : 25 ] .

قصة موسى

تستغرق قصة موسى حيزا كبيرا من سورة القصص ، فمن بداية السورة إلى الآية 48 ؛ نجد حديثا مستفيضا عن موسى عليه السلام .

وفي الآيات [ 75-82 ] نجد حديثا عن قارون ، أي أن معظم سورة القصص يتناول قصة موسى ويتناول قصة قارون ، والحكمة في ذلك أن هذه السورة نزلت بمكة في مرحلة قاسية ، كان المسلمون فيها قلة مستضعفة ، والمشركون هم أصحاب الحول والطول والجاه والسلطان ، فنزلت هذه السورة تضع الموازين الحقيقية للقوى والقيم ، وتقرر أن هناك قوة واحدة في هذا الوجود ، هي قوة الله ، وأن هناك قيمة واحدة في هذا الكون هي قيمة الإيمان ، فمن كانت قوة الله معه فلا خوف عليه ، ومن كانت قوة الله عليه فلا أمن له ولا طمأنينة ولو ساندته جميع القوى .

ومن ثم يقوم كيان سورة القصص على قصة موسى وفرعون ، وتعرض السورة من خلال هذه القصة قوة فرعون الطاغية المتجبر اليقظ الحذر ، وفي مواجهتها موسى طفلا رضيعا لا حول له ولا قوة ، ولا ملجأ له ولا وقاية .

وقد علا فرعون في الأرض ، واتخذ أهلها شيعا ، واستضعف بني إسرائيل ، يذبح أبناءهم ، ويستحيي نساءهم ، وهو على حذر منهم ، وهو قابض على أعناقهم ، لكن قوة فرعون وجبروته وحذره ويقظته ، لا تغني عنه شيئا ، بل لا تمكن له من موسى الطفل الصغير المجرد من كل قوة وحيلة ، وهو في حراسة القوة الحقيقية الوحيدة ، ترعاه عين العناية ، وتدفع عنه السوء ، وتعمى عنه العيون ، وتتحدى به فرعون وجنده تحديا سافرا ، فتدفع به إلى حجره ، وتدخل به عليه عرينه ، بل تقتحم به عليه قلب امرأته وهو مكتوف اليدين إزاءه ، مكفوف الأذى عنه ، يصنع بنفسه لنفسه ما يحذره ويخشاه .

لقد طمعت آسية أن يكون موسى وليدا لها تتبناه مع زوجها فرعون ، فقالت لفرعون : { قرت عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون } [ القصص : 9 ]

وهكذا دبر الله أن يتربى موسى في بيت فرعون ، وأن يؤتى الحذر من مكمنه ، ولما حرم الله المراضع على موسى ، جاءت أمه كمرضعة له ، وأرضعته في بيت فرعون ، وصار فرعون يجري عليها كل يوم دينارا من الذهب ، وفي الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( مثل المؤمن كأم موسى ترضع ولدها وتأخذ أجرتها )i .

موسى في سن الرجولة :

بلغ موسى أشده ، واستكمل نيفا وثلاثين عاما ، وقد صنعه الله على عينه ، فصار يتأمل في هذا الكون ، ويبتعد عن حاشية فرعون ، ودخل العاصمة في فترة الظهيرة فرأى قبطيا يعمل طباخا في قصر فرعون يتشاجر مع إسرائيلي ، فاستغاث به الإسرائيلي ؛ فضرب موسى القبطي بجمع يده فوقع جثة هامدة ، وندم موسى على ذلك واستغفر الله وتاب إليه .

وتربص قوم فرعون بموسى ليقتلوه ، فانتدبت يد القدرة واحدا منهم يكتم إيمانه عنهم ، وجاء لموسى وقال له : { إن الملأ يأتمرون به ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين } [ القصص : 20 ] .

خرج موسى هاربا مهاجرا متجها إلى أرض مدين وحيدا فريدا فآواه الله ورعاه ، وتعرف هناك على نبي الله شعيب وتزوج بابنته ومكث هناك عشر سنين ، ثم عاوده الحنين إلى مصر فجاء إليها عبر سيناء ، وعند الشجرة المباركة نودي من قبل الله : أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين ، وامتن الله عليه بالرسالة وأيده بالمعجزات .

موسى مع فرعون :

عاد موسى إلى فرعون مرة أخرى يدعوه إلى الإيمان بالله ويقدم له الأدلة العقلية والمعجزات الظاهرة ، ولكن فرعون طغى وتجبر وكذب وعصى ؛ فأهلكه الله وأخذه نكال الآخرة والأولى ، إن في ذلك لعبرة لمن يخشى .

الحلقة الجديدة في القصة :

عنيت سورة القصص بإبراز حلقة ميلاد موسى ، وتربيته في بيت فرعون ، وهي حلقة جديدة في القصة تكشف عن تحدي القدرة الإلهية للطغيان والظلم ، وفيها يتجلى عجز قوة فرعون وحيلته وحذره عن دفع القدر المحتوم والقضاء النافذ .

لقد ولد موسى في ظروف قاسية في ظاهرها ، فصاحبته رعاية الله وعنايته ، في رضاعه وفي نشأته وفتوته ، وصنعه الله على عينه وهيأه للرسالة ، وإذا أراد الله أمرا هيأ له الأسباب ثم قال له كن فيكون .

قارون :

ذكرت سورة القصص قصة موسى في بدايتها وقصة قارون في نهايتها ، والهدف واحد ، فقصة فرعون تمثل طغيان الملك ، وقصة قارون تمثل طغيان المال .

كان قارون من قوم موسى وكان غنيا ذا قدرة ومعرفة ، وأوتي من المال ما إن مفاتحه لتعيي العصبة من الرجال الأقوياء ، وخرج على قومه في زينته وأبهته ليكسر قلوب الفقراء ، ونصحه قومه بالاعتدال وإخراج الزكاة ، والإحسان إلى الناس والابتعاد عن الفساد .

فزادته النصيحة تيها وعلوا ، وخرج يباهي الناس بماله وكنوزه ، ثم تدخلت يد القدرة الإلهية فخسفت به وبداره الأرض ، ولم يغن عنه ماله ولا علمه .

وهكذا تصير عاقبة الظالمين ، كما غرق فرعون في البحر ، هلك قارون خسفا في الأرض ، ولا تزال بحيرة قارون تذكر الناس بنهاية الظالمين ، قال تعالى : { وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين*فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } [ العنكبوت : 39 ، 40 ] .

أهداف السورة

تهدف سورة القصص إلى إثبات قدرة الله ورعايته للمؤمنين ، فهو سبحانه الواحد الأحد الفرد الصمد المتفرد بالحكم والقضاء ، قد آزر موسى وحيدا فريدا طريدا ، ونجاه من بطش فرعون ، وأغرق فرعون وجنوده ، كما أهلك قارون وقومه .

وبين القصتين نجد الآيات من [ 44 – 75 ] تعقب على قصة موسى وتبين أين يكون الأمن ، وأين تكون المخافة ، وتجول مع المشركين الذين يواجهون دعوة الإسلام بالشرك والإنكار والمعاذير ، تجول معهم جولات شتى في مشاهد الكون ، وفي مشهد الحشر ، وفيما هم فيه من الأمن ، بعد أن تعرض عليهم دلائل الصدق فيما جاءهم به رسولهم صلى الله عليه وسلم ، وكيف يتلقاه فريق من أهل الكتاب بالإيمان واليقين ، بينما هم يتلقونه بالكفران والجحود ، وهو رحمة لهم من العذاب ، لو أنهم كانوا يتذكرون .

ختام السورة

في ختام السورة نجد الآيات [ 85-88 ] تعد الرسول صلى الله عليه وسلم بالرجوع إلى مكة فاتحا منتصرا ، ينشر الهدى ويقيم الحق والعدل ، ومن العجيب أن هذا الوعد بالنصر جاءه وهو مخرج من بلده ، مطارد من قومه ، مهاجر إلى المدينة ولم يبلغها بعد ، فقد كان بالجحفة قريبا من مكة ، قريبا من الخطر ، يتعلق قلبه وبصره ببلده الذي يحبه ، ويقول عند فراقه مخاطبا مكة : " والله إنك لمن أحب البلاد إليّ ، ومن أحب البلاد إلى الله ، ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت " .

ويعده الله بالرجوع إلى مكة فيقول : { إن الله فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد . . } [ القصص : 85 ] .

ويبين سبحانه : أن كل ما دون الحق فهو عرضة للفناء والزوال ، وأن زمام الحكم بيده تعالى ، وتحتم السورة بهذه الآية إثباتا للوحدانية ولجلال القدرة الإلهية : { ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون } [ القصص : 88 ] .

بسم الله الرحمان الرحيم

{ طسم( 1 ) تلك آيات الكتاب المبين( 2 ) نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون ( 3 ) إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم إنه كان من المفسدين( 4 ) ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ( 5 ) ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون( 6 ) } .

1

التفسير :

1- { طسم }

تقدم الكلام عن هذه الأحرف المقطعة في أول سورتي البقرة وآل عمران وغيرهما .

والخلاصة :

أن للعلماء في هذه الأحرف رأيين رئيسيين :

الأول : أنها مما استأثر الله تعالى بعلمه .

الثاني : أن لها معنى ، لكن الآراء تعددت في تحديد هذا المعنى ، فقيل : هي إشارة إلى أسماء الله تعالى أو صفاته ، وقيل : هي أدوات للتنبيه ، كالجرس الذي يقرع فيتنبه التلاميذ إلى دخول المدرسة ، وقيل : هي حروف للتحدي والإعجاز وبيان أن القرآن مكوّن من حروف عربية ، هي الطاء والسين والميم ، وقد عجزتم عن الإتيان بمثله ؛ فدلّ ذلك على أنه ليس من صنع بشر ، ولكنه تنزيل من حكيم حميد .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{طسٓمٓ} (1)

مقدمة السورة:

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

سورة القصص مكية وفيها من المدني: {الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون} إلى قوله: {سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين} [الآيات:52-55]. وفيها آية ليست بمكية ولا مدنية قوله: {إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد} آية، نزلت بالجحفة أثناء الهجرة.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

سورة القصص [وهي مكية].

السراج المنير في تفسير القرآن الكريم للشربيني 977 هـ :

وتسمى سورة موسى عليه السلام لاشتمالها على قصّته فقط من حين ولد إلى أن أهلك الله تعالى فرعون وخُسف بقارون.

محاسن التأويل للقاسمي 1332 هـ :

سميت به لاشتمالها على قوله تعالى: {فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين} الدالة على أن من هرب من مكان الأعداء، إلى مكان الأنبياء اعتبارا بقصصهم الدالة على نجاة الهاربين، وهلاك الباقين بمكان الأعداء – أمن من الهلاك. وهذا أيضا من أعظم مقاصد القرآن، مع اشتمالها على ما يشتمل عليه غيرها من أنباء موسى.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

هذه السورة مكية، نزلت والمسلمون في مكة قلة مستضعفة، والمشركون هم أصحاب الحول والطول والجاه والسلطان. نزلت تضع الموازين الحقيقية للقوى والقيم، نزلت تقرر أن هناك قوة واحدة في هذا الوجود، هي قوة الله؛ وأن هناك قيمة واحدة في هذا الكون، هي قيمة الإيمان. فمن كانت قوة الله معه فلا خوف عليه، ولو كان مجردا من كل مظاهر القوة، ومن كانت قوة الله عليه فلا أمن له ولا طمأنينة ولو ساندته جميع القوى؛ ومن كانت له قيمة الإيمان فله الخير كله، ومن فقد هذه القيمة فليس بنافعه شيء أصلا.

ومن ثم يقوم كيان السورة على قصة موسى وفرعون في البدء، وقصة قارون مع قومه -قوم موسى- في الختام.. الأولى تعرض قوة الحكم والسلطان. قوة فرعون الطاغية المتجبر اليقظ الحذر؛ وفي مواجهتها موسى طفلا رضيعا لا حول له ولا قوة، ولا ملجأ له ولا وقاية. وقد علا فرعون في الأرض، واتخذ أهلها شيعا، واستضعف بني إسرائيل، يذبح أبناءهم، ويستحيي نساءهم، وهو على حذر منهم، وهو قابض على أعناقهم. ولكن قوة فرعون وجبروته، وحذره ويقظته، لا تغني عنه شيئا؛ بل لا تمكن له من موسى الطفل الصغير، المجرد من كل قوة وحيلة، وهو في حراسة القوة الحقيقية الوحيدة ترعاه عين العناية، وتدفع عنه السوء، وتعمي عنه العيون، وتتحدى به فرعون وجنده تحديا سافرا، فتدفع به إلى حجره، وتدخل به عليه عرينه، بل تقتحم به عليه قلب امرأته وهو مكتوف اليدين إزاءه، مكفوف الأذى عنه، يصنع بنفسه لنفسه ما يحذره ويخشاه!

والقصة الثانية تعرض قيمة المال، ومعها قيمة العلم. المال الذي يستخف القوم وقد خرج عليهم قارون في زينته، وهم يعلمون أنه أوتي من المال ما إن مفاتحه لتعيي العصبة من الرجال الأقوياء. والعلم الذي يعتز به قارون، ويحسب أنه بسببه وعن طريقه أوتي ذلك المال. ولكن الذين أوتوا العلم الصحيح من قومه لا تستخفهم خزائنه، ولا تستخفهم زينته؛ بل يتطلعون إلى ثواب الله، ويعلمون أنه خير وأبقى. ثم تتدخل يد الله فتخسف به وبداره الأرض، لا يغني عنه ماله ولا يغني عنه علمه؛ وتتدخل تدخلا مباشرا سافرا كما تدخلت في أمر فرعون، فألقته في اليم هو وجنوده فكان من المغرقين.

لقد بغى فرعون على بني إسرائيل واستطال بجبروت الحكم والسلطان؛ ولقد بغى قارون عليهم واستطال بجبروت العلم والمال. وكانت النهاية واحدة، هذا خسف به وبداره، وذلك أخذه اليم هو وجنوده. ولم تكن هنالك قوة تعارضها من قوى الأرض الظاهرة. إنما تدخلت يد القدرة سافرة فوضعت حدا للبغي والفساد، حينما عجز الناس عن الوقوف للبغي والفساد.

ودلت هذه وتلك على أنه حين يتمحض الشر ويسفر الفساد ويقف الخير عاجزا والصلاح حسيرا؛ ويخشى من الفتنة بالبأس والفتنة بالمال. عندئذ تتدخل يد القدرة سافرة متحدية، بلا ستار من الخلق، ولا سبب من قوى الأرض، لتضع حد للشر والفساد.

وبين القصتين يجول السياق مع المشركين جولات يبصرهم فها بدلالة القصص -في سورة القصص – ويفتح أبصارهم على آيات الله المبثوثة في مشاهد الكون تارة، وفي مصارع الغابرين تارة، وفي مشاهد القيامة تارة.. وكلها تؤكد العبر المستفادة من القصص، وتساوقها وتتناسق معها؛ وتؤكد سنة الله التي لا تتخلف ولا تتبدل على مدار الزمان. وقد قال المشركون لرسول الله [صلى الله عليه وسلم]:"إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا". فاعتذروا عن عدم اتباعهم الهدى بخوفهم من تخطف الناس لهم، لو تحولوا عن عقائدهم القديمة التي من أجلها يخضع الناس لهم، ويعظمون البيت الحرام ويدينون للقائمين عليه.

فساق الله إليهم في هذه السورة قصة موسى وفرعون، تبين لهم أين يكون الأمن وأين تكون المخافة؛ وتعلمهم أن الأمن إنما يكون في جوار الله، ولو فقدت كل أسباب الأمن الظاهرة التي تعارف عليها الناس؛ وأن الخوف إنما يكون في البعد عن ذلك الجوار ولو تظاهرت أسباب الأمن الظاهرة التي تعارف عليها الناس! وساق لهم قصة قارون تقرر هذه الحقيقة في صورة أخرى وتؤكدها.

وعقب على مقالتهم (أو لم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا؟ ولكن أكثرهم لا يعلمون).. يذكرهم بأنه هو الذي آمنهم من الخوف فهو الذي جعل لهم هذا الحرم الآمن؛ وهو الذي يديم عليهم أمنهم، أو يسلبهم إياه؛ ومضى ينذرهم عاقبة البطر وعدم الشكر: (وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا، وكنا نحن الوارثين).

ويخوفهم عاقبة أمرهم بعد أن أعذر إليهم وأرسل فيهم رسولا. وقد مضت سنة الله من قبل بإهلاك المكذبين بعد مجيء النذير: (وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا، وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون).

ثم يعرض عليهم مشهدهم يوم القيامة حين يتخلى عنهم الشركاء على رؤوس الأشهاد؛ فيبصرهم بعذاب الآخرة بعد أن حذرهم عذاب الدنيا؛ وبعد أن علمهم أين يكون الخوف وأين يكون الأمان.

وتنتهي السورة بوعد من الله لرسوله الكريم وهو مخرج من مكة مطارد من المشركين بأن الذي فرض عليه القرآن لينهض بتكاليفه، لا بد راده إلى بلده، ناصره على الشرك وأهله. وقد أنعم عليه بالرسالة ولم يكن يتطلع إليها؛ وسينعم عليه بالنصر والعودة إلى البلد الذي أخرجه منه المشركون. سيعود آمنا ظافرا مؤيدا. وفي قصص السورة ما يضمن هذا ويؤكده. فقد عاد موسى- عليه السلام -إلى البلد الذي خرج منه خائفا طريدا. عاد فأخرج معه بني إسرائيل واستنقذهم، وهلك فرعون وجنوده على أيدي موسى وقومه الناجين..

ويختم هذا الوعد ويختم السورة معه بالإيقاع الأخير:

(ولا تدع مع الله إلها آخر، لا إله إلا هو، كل شيء هالك إلا وجهه، له الحكم، وإليه ترجعون).

هذا هو موضوع السورة وجوها وظلالها العامة، فلنأخذ في تفصيل أشواطها الأربعة: قصة موسى. والتعقيب عليها. وقصة قارون. وهذا الوعد الأخير...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

سميت سورة القصص ولا يعرف لها اسم آخر. ووجه التسمية بذلك وقوع لفظ {القصص} فيها عند قوله تعالى {فلما جاءه وقص عليه القصص}.

فالقصص الذي أضيفت إليه السورة هو قصص موسى الذي قصه على شعيب عليهما السلام فيما لقيه في مصر قبل خروجه منها. فلما حكي في السورة ما قصه موسى كانت هاته السورة ذات قصص لحكاية قصص، فكان القصص متوغلا فيها. وجاء لفظ القصص في سورة يوسف ولكن سورة يوسف نزلت بعد هذه السورة.

وهي مكية في قول جمهور التابعين. وفيها آية {إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد}. قيل نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم في الجحفة في طريقه إلى المدينة للهجرة تسلية له على مفارقة بلده. وهذا لا يناكد أنها مكية لأن المراد بالمكي ما نزل قبل حلول النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة كما أن المراد بالمدني ما نزل بعد ذلك ولو كان نزوله بمكة. أغراضها: اشتملت هذه السورة على التنويه بشأن القرآن والتعريض بأن بلغاء المشركين عاجزون عن الإتيان بسورة مثله. وعلى تفصيل ما أجمل في سورة الشعراء من قول فرعون لموسى {ألم نربك فينا وليدا} إلى قوله {وأنت من الكافرين} ففصلت سورة القصص كيف كانت تربية موسى في آل فرعون. وبين فيها سبب زوال ملك فرعون. وفيها تفصيل ما أجمل في سورة النمل من قوله {إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا} ففصلت سورة القصص كيف سار موسى وأهله وأين آنس النار ووصف المكان الذي نودي فيه بالوحي إلى أن ذكرت دعوة موسى فرعون فكانت هذه السورة أوعب لأحوال نشأة موسى إلى وقت إبلاغه الدعوة ثم أجملت ما بعد ذلك لأن تفصيله في سورة الأعراف وفي سورة الشعراء. والمقصود من التفصيل ما يتضمنه من زيادة المواعظ والعبر. وإذ قد كان سوق تلك القصة إنما هو للعبرة والموعظة ليعلم المشركون سنة الله في بعثة الرسل ومعاملته الأمم المكذبة لرسلها. وتحدى المشركين بعلم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وهو أمي لم يقرأ ولم يكتب ولا خالط أهل الكتاب، ذيل الله ذلك بتنبيه المشركين إليه وتحذيرهم من سوء عاقبة الشرك وأنذرهم إنذارا بليغا. وفند قولهم {لولا أوتي مثل ما أوتي موسى} من الخوارق كقلب العصا حية ثم انتقاضهم في قولهم إذ كذبوا موسى أيضا. وتحداهم بإعجاز القرآن وهديه مع هدي التوراة. وأبطل معاذيرهم ثم أنذرهم بما حل بالأمم المكذبة رسل الله. وساق لهم أدلة على وحدانية الله تعالى وفيها كلها نعم عليهم وذكرهم بما سيحل بهم يوم الجزاء. وأنحى عليهم في اعتزازهم على المسلمين بقوتهم ونعمتهم ومالهم بأن ذلك متاع الدنيا وأن ما ادخر للمسلمين عند الله خير وأبقى. وأعقبه بضرب المثل لهم بحال قارون في قوم موسى. وتخلص من ذلك إلى التذكير بأن أمثال أولئك لا يحظون بنعيم الآخرة وأن العاقبة للمتقين. وتخلل ذلك إيماء إلى اقتراب مهاجرة المسلمين إلى المدينة، وإيماء إلى أن الله مظهرهم على المشركين بقوله {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض} الآية. وختم الكلام بتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وتثبيته ووعده بأنه يجعل بلده في قبضته ويمكنه من نواصي الضالين. ويقرب عندي أن يكون المسلمون ودوا أن تفصل لهم قصة رسالة موسى عليه السلام فكان المقصود انتفاعهم بما في تفاصيله من معرفة نافعة لهم تنظيرا لحالهم وحال أعدائهم. فالمقصود ابتداء هم المسلمون ولذلك قال تعالى في أولها {نتلو عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون} أي للمؤمنين...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

هذه السورة نزلت في مكّة... وفي ظروف كان المؤمنون في قبضة الأعداء الأقوياء وبين مخالبهم.. الأعداء الذين كانوا أكثر عدداً وأشدّ قدرةً وقوّةً ونفيراً.. فهؤلاء الأقلية من المؤمنين والمسلمين كانوا يرزحون تحت وطأة هذا التصور بحيث كان جماعة من المسلمين قلقين على مستقبل الإسلام وخائفين من أجله. وبما أنّ هذه الحالة كانت كثيرة الشبه بالحالة التي كان عليها بنو إسرائيل وهم بين مخالب الفراعنة، فإنّ قسماً من محتوى هذه السورة يتحدث عن قصّة بني إسرائيل وموسى (عليه السلام) والفراعنة.. ولعل هذا القسم يستوعب نصف هذه السورة تقريباً.. خاصة أنّها تتحدث عن فترة كان موسى طفلا ضعيفاً رضيعاً في قبضة الفراعنة... ولكنّ تلك القدرة التي تستوعب عالم الوجود كلّه ولا تقف أية قوّة أمامها تكفلت هذا الطفل الضعيف ورعته وهو في أحضان أعدائه الأقوياء، حتى منحته قدرة وقوّة قصوى قهرت سلطان الفراعنة ونكّست تيجانهم وقلبت قصورهم!!. هكذا تتحدث هذه السورة ليطمئن المسلمون إلى لطف الله وقدرته، ولا يرهبوا كثرة الأعداء وقوّتهم، ولا يخافوا من الطريق ذاته!.. أجل..

القسم الأوّل من هذه السورة يتضمن هذا التاريخ المليء بالدروس والعبر ويبشر المستضعفين في بداية السورة بحكومة الحق والعدل لهم وكسر شوكة الظالمين، بشرى تمنحهم الاطمئنان والقدرة. تتحدث هذه السورة عن أن بني إسرائيل كانوا مصفدين بأغلال أعدائهم ما داموا بعيدين عن خيمة الإيمان والتوحيد، وفاقدين لأي نوع من أنواع الحركة والنهوض والسعي الذي يتحدَّون به أعداءهم، لكن ما إن وجدوا قائدهم ونوّروا قلوبهم بنور العلم والتوحيد حتى أغاروا على الفراعنة وسيطروا على الحكم وحرروا أنفسهم من نير الفراعنة.

و«القسم الآخر» من هذه السورة يتحدّث عن «قارون»، ذلك الرجل المستكبر الثري الذي كان يعتمد على علمه وثروته... حتى لقي اثر غروره ما لقيه فرعون من مصير أسود! احدهما غريق في الماء والآخر دفين في الأرض.. وذلك معتمد على سلطانه وجيشه في حكمه، وهذا معتمد على ماله وثروته! ليتّضح أنّه لا يمكن لتجار مكّة وأثريائهم ولا لأقويائهم من المشركين، ولا سياسييّهم في ذلك المحيط، أن يقاوموا إرادة الله في انتصار المستضعفين على المستكبرين. وهذا القسم جاء في أواخر السورة. وبين هذين القسمين دروس حيّة وقيّمة من التوحيد والمعاد وأهمية القرآن، وبيان حال المشركين في يوم القيامة، ومسألة الهداية والضلالة، والإجابة على حجج الأفراد الضعاف، وهي في الحقيقة «نتيجة» الأوّل و«مقدمة» للقسم الثاني.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

قد بيّنا قبل فيما مضى تأويل قول الله عزّ وجل "طسم"، وذكرنا اختلاف أهل التأويل في تأويله. وأما قوله: "تلكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ "فإنه يعني هذه آيات الكتاب الذي أنزلته إليك يا محمد، المبين أنه من عند الله، وأنك لم تتقوّله ولم تتخرّصه... عن قَتادة، قوله "طسم. تلكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ" يعني مبين والله؛ بركته ورشده وهداه.

تفسير الجلالين للمحلي والسيوطي 911 هـ :

{طسم} الله أعلم بمراده بذلك.

تفسير القرآن للمراغي 1371 هـ :

{طسم} تقدم أن قلنا إن أحق الآراء وأجدرها بالقبول في معنى هذه الحروف المقطعة أنها حروف يراد بها التنبيه، كما يراد مثل ذلك من معنى (يا) في النداء (ألا) ونحوهما، وينطق بها بأسمائها هكذا (طاسين ميم).

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

تبدأ السورة بالأحرف المقطعة: طاء. سين. ميم.. تلك آيات الكتاب المبين.. تبدأ السورة بهذه الأحرف للتنبيه إلى أنه من مثلها تتألف آيات الكتاب المبين، البعيدة الرتبة، المتباعدة المدى بالقياس لما يتألف عادة من هذه الأحرف، في لغة البشر الفانين.

التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :

وقد جاءت فاتحتها على غرار فاتحة سورة الشعراء، مبدوءة مثلها بنفس الحروف الهجائية المقطعة، وهي في كل منهما الطاء والسين والميم {طسم} فكانت ثالثة السور التي جاءت على هذا النمط في نسق واحد، تنبيها إلى أن آيات الكتاب العزيز تتألف من نفس الحروف التي يؤلف البشر منها كلامهم، لكن الله الذي خلق الإنسان من طين ثم نفخ فيه روح الحياة ينفخ في تلك الحروف من جلاله وعلمه وحكمته ما يجعلها معجزة باقية أبد الدهر لا قبل بها للإنسان، على ممر الزمان.

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

الحروف المقطعة في بدايات سور القرآن مرة يأتي حرف واحد مثل (ق)، (ن) أو حرفان مثل (طس)، (حم) أو ثلاثة أحرف مثل (الم)، (طسم) أو أربعة مثل (المر) أو خمسة مثل (حم عسق)، (كهيعص)، وكل منها له مفتاح وأسرار لم يفتح علينا بعد لمعرفته وما قلنا في معنى هذه الحروف مجرد محاولات على الطريق.

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{طسٓمٓ} (1)

{ طسم* } مشيراً بالطاء المليحة بالطهر والطيب إلى خلاص بني إسرائيل بعد طول ابتلائهم المطهر لهم عظيم ، وبالسين الرامزة إلى السمو والسنا والسيادة إلى أن ذلك يكون بمسموع من الوحي في ذي طوى من طور سيناء قديم ، وبالميم المهيئة للملك والنعمة إلى قضاء من الملك الأعلى بذلك كله تام عميم .