فخسفنا به وبداره الأرض : أي : بقارون ، وخسف : غار في الأرض ، والمراد : جعلنا عاليها سافلها ، أي : أدخله الله وداره في جوف الأرض .
81-{ فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين }
أصاب قارون العجب والكبر والبطر ، وافترى على موسى واستحق غضب السماء ، فزلزل الله به وبداره الأرض ، فخسف به وبداره ، وأصبح هو وداره في حفرة في واد سحيق ، وذهب ثروته وزينته ودمّر كل ذلك تدميرا .
وقد روى البخاري في صحيحه ، من حديث الزهري ، عن سالم ، أن أباه حدثه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( بينا رجل يجر إزاره إذ خسف به ، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة )xxxi .
فالرجل يسير وهو معجب بنفسه ، مغرور متكبر ، يتيه فخرا وتعاليا بثروته أو ماله أو جاهه أو سلطانه أو نفوذه ، ناسيا فضل الله عليه .
وذكر ابن كثير في تفسيره أن هذا الحديث يشير إلى قارون .
وقد وردت أحاديث في الصحيح تفيد أنه لا مانع من تمتع المؤمن بزينة الدنيا وجمالها ، فإن الله جميل يحب الجمالxxxii ، والله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عباده ، والممنوع هو الكبر والخيلاء ومنع المال عن صاحبه ، وحبس المعروف عن مستحقيه ، وأن يتحول الغني إلى أناني مسرف ينفق على نفسه وأسرته ، ويكابر ويتعالى ، ويمنع الحق عن أهله .
1- يوجد في محافظة الفيوم بحيرة صغيرة تسمى بركة قارون ، ويجوز أن يكون قارون وقومه كانوا يقيمون في هذا المكان ، وأنه خرج على قومه في زينته ، فخسف الله به وبداره الأرض ، وانخفض مستوى الأرض ، وتحول إلى بركة تسمى بركة قارون ، وهذا مجرد احتمال .
2- ذكرت كتب التفسير روايات لا سند لها ، من ذلك ما روي عن قتادة قال : ذكر لنا أنه خرج هو وحشمه ، على أربعة آلاف دابة ، عليهم ثياب حمر ، منها ألف بغلة بيضاء ، وعلى دوابهم قطائف الأرجوان . وقال مقاتل : خرج على بغلة شهباء عليها سرج من ذهب ، ومعه أربعة آلاف فارس على الخيول ، وعليهم الثياب الأرجوانية ، ومعه ثلاثمائة جارية بيض ، عليهن الحلي والثياب الحمر ، يركبن البغال الشهب . اه .
والمرجح أن مرد ذلك إلى الإسرائيليات ، وفي كتاب الله ما يغني ، فقد خرج في أبهى حلة وزينة ، متظاهرا بكل ما عنده عجبا وتيها ، قال تعالى : { فخرج على قومه في زينته . . }
{ فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين }
إن الخسف مقصود به ضياع ماله وداره ونفسه ، وما نراه من تهاوي أسعار البورصة ، وأسعار العملات ، وانتشار الأزمات الاقتصادية في الشرق حينا ، وفي الغرب حينا ، ينبغي أن يذكر الناس بأن هناك خسفا للفرد حينا ، وخسفا للأمة حينا ، وأن هناك خسفا حسيا ، وخسفا معنويا .
{ فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين }
أي : لم يغن عنه حشمه ولا خدمه ، ولا جيشه ولا نفسه ، ولم تكن له جماعة تعصمه من الخسف ، أو تنصره ، وما صح ولا استقام أن يكون من الممتنعين من بطش الله ، بأي سبب من أسباب الامتناع ، فإنه لا بد واقع ، وليس له من دافع .
وحريّ بالأمم الإسلامية أن تراقب ربها ، وأن تتقي الله في تصرفاتها وأموالها وسلوكها ، حتى تجني حصاد السعادة في الدنيا ، والنجاة في الآخرة ، قال تعالى : { وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون } [ النحل : 112 ] .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{فخسفنا به} يعني: بقارون {وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله} يقول الله عز وجل: لم يكن لقارون جند يمنعونه من الله عز وجل، {وما كان من المنتصرين} يقول: وما كان قارون من الممتنعين مما نزل به من الخسف.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: فخسفنا بقارون وأهل داره. وقيل: وبداره... وقوله:"فَمَا كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللّهِ" يقول: فلم يكن له جند يرجع إليهم، ولا فئة ينصرونه لما نزل به من سخطه، بل تبرّءوا منه.
"وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ "يقول: ولا كان هو ممن ينتصر من الله إذا أحلّ به نقمته، فيمتنع لقوّته منها...
وقد بيّنا معنى الفئة فيما مضى، وأنها الجماعة من الناس، وأصلها الجماعة التي يفيء إليها الرجل عند الحاجة إليهم، للعون على العدوّ، ثم تستعمل ذلك العرب في كلّ جماعة كانت عونا للرجل وظَهْرا له...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{فخسفنا به وبداره الأرض} بالبغي الذي بغى عليهم؛ أعني على موسى وأصحابه. وقوله تعالى: {فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله} كأنه كان يفتخر بالمال والحواشي، ويتقوى بذلك في دفع عذاب الله ونقمته. لذلك قال: {فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله} أي لم تغنه في دفع عذاب الله عنه أتباعه وحواشيه، وهو كظن أولئك: {نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين} [سبإ: 35] وكان ظنهم ذلك.
لما أشر وبطر وعتا خسف الله به وبداره الأرض جزاء على عتوه وبطره، والفاء تدل على ذلك، لأن الفاء تشعر بالعلية.
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
لما ذكر تعالى اختيال قارون في زينته، وفخره على قومه وبغيه عليهم، عقب ذلك بأنه خسف به وبداره الأرض، كما ثبت في الصحيح -عند البخاري من حديث الزهري، عن سالم- أن أباه حدثه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"بينا رجل يجر إزاره إذ خسف به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة"...
وقوله: {فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ} أي: ما أغنى عنه مالُه، وما جَمَعه، ولا خدمه ولا حشمه.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
{فخسفنا} أي بما لنا من العظمة {به وبداره} أي وهي على مقدار ما ذكرنا من عظمته بأمواله وزينته، فهي أمر عظيم، تجمع خلقاً كثيراً وأثاثاً عظيماً، لئلا يقول قائل: إن الخسف به كان للرغبة في أخذ أمواله {الأرض} وهو من قوم موسى عليه الصلاة والسلام وقريب منه جداً – على ما نقله أهل الأخبار – فإياكم يا أمة هذا النبي أن تردوا ما آتاكم من الرحمة برسالته فتهلكوا وإن كنتم أقرب الناس إليه فإن الأنبياء كما أنهم لا يوجدون الهدى في قلوب العدى، فكذلك لا يمنعونهم من الردى ولا يشفعون لهم أبداً، إذا تحققوا أنهم من أهل الشقا {فما} أي فتسبب عن ذلك أنه ما {كان له} أي لقارون، وأكد النفي – لما استقر في الأذهان أن الأكابر منصورون – بزيادة الجار في قوله: {من فئة} أي طائفة من الناس يكرون عليه بعد أن هالهم ما دهمه، وأصل الفئة الجماعة من الطير – كأنها سميت بذلك لكثرة رجوعها وسرعته إلى المكان الذي ذهبت منه {ينصرونه}.
تفسير القرآن للمراغي 1371 هـ :
{فخسفنا به وبداره الأرض} أي فزلزلت به الأرض وابتلعته جزاء بطره وعتوه وفي هذا عبرة لمن اعتبر، فيترك التعالي والتغالي في الزينة، لئلا يخسف الله به وبماله الأرض. وقد غفل كثير من الناس عن المقصد من المال فأنفقوه قاصدين به الرياء والمباهاة، فضاعت دورهم وأموالهم، وأصبحت ملكا لغيرهم، وهذا هو الخسف العظيم، وما خسف قارون بشيء إذا قيس بهذا، فإن الخسف الآن خسف الأمم، لا خسف الأفراد، فكل بلد من بلاد الإسلام يدخله الغاصب يصبح أهله عبيدا له وضحية مطامعه، وخسف أمة أدهى من خسف فرد، فليخسف الفرد، ولتبق الأمة، وهكذا دخلت البلاد تباعا في ملك الغاصب، واحدة إثر أخرى، ولم يبق منها إلا ما رحم الله، وما ذاك إلا بجهلها لدينها، وعدم اتباعها أحكامه، وغفلتها عن مقاصده.
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
لما انتهت بقارون حالة البغي والفخر، وازَّيَّنَتْت الدنيا عنده، وكثر بها إعجابه، بغته العذاب {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ} جزاء من جنس عمله، فكما رفع نفسه على عباد اللّه، أنزله اللّه أسفل سافلين، هو وما اغتر به، من داره وأثاثه، ومتاعه.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وعندما تبلغ فتنة الزينة ذروتها، وتتهافت أمامها النفوس وتتهاوى، تتدخل يد القدرة لتضع حدا للفتنة، وترحم الناس الضعاف من إغرائها، وتحطم الغرور والكبرياء تحطما. ويجيء المشهد الثالث حاسما فاصلا:
"فخسفنا به وبداره الأرض، فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله، وما كان من المنتصرين"..
هكذا في جملة قصيرة، وفي لمحة خاطفة: "فخسفنا به وبداره الأرض "فابتلعته وابتعلت داره، وهوى في بطن الأرض التي علا فيها واستطال فوقها جزاء وفاقا. وذهب ضعيفا عاجزا، لا ينصره أحد، ولا ينتصر بجاه أو مال.
وهوت معه الفتنة الطاغية التي جرفت بعض الناس؛ وردتهم الضربة القاضية إلى الله؛ وكشفت عن قلوبهم قناع الغفلة والضلال. وكان هذا المشهد الأخير...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
دلت الفاء على تعقيب ساعة خروج قارون في ازدهائه وما جرى فيها من تمني قوم أن يكونوا مثله، وما أنكر عليهم علماؤهم من غفلتهم عن التنافس في ثواب الآخرة بتعجيل عقابه في الدنيا بمرأى من الذين تمنوا أن يكونوا مثله. والخسف: انقلاب بعض ظاهر الأرض إلى باطنها... والباء في قوله {فخسفنا به} باء المصاحبة، أي خسفنا الأرض مصاحبة له ولداره، فهو وداره مخسوفان مع الأرض التي هو فيها... وهذا الخسف خارق للعادة لأنه لم يتناول غير قارون ومَن ظاهَره.
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري 1439 هـ :
الهداية: -بيان أن البغي يؤخذ به البغاة في الدنيا ويعذبون به في الآخرة.
ولما تسبب عن نظره هذا الذي أوصله إلى الكفر بربه أخذه بالعذاب ، أشار إلى ذلك سبحانه بقوله : { فخسفنا } أي بما لنا من العظمة { به وبداره } أي وهي على مقدار ما ذكرنا من عظمته بأمواله وزينته ، فهي أمر عظيم ، تجمع خلقاً كثيراً وأثاثاً عظيماً ، لئلا يقول قائل : إن الخسف به كان للرغبة في أخذ أمواله { الأرض } وهو من قوم موسى عليه الصلاة والسلام وقريب منه جداً – على ما نقله أهل الأخبار – فإياكم يا أمة هذا النبي أن تردوا ما آتاكم من الرحمة برسالته فتهلكوا وإن كنتم أقرب الناس إليه فإن الأنبياء كما أنهم لا يوجدون الهدى في قلوب العدى ، فكذلك لا يمنعونهم من الردى ولا يشفعون لهم أبداً ، إذا تحققوا أنهم من أهل الشقا { فما } أي فتسبب عن ذلك أنه ما { كان له } أي لقارون ، وأكد النفي – لما استقر في الأذهان أن الأكابر منصورون – بزيادة الجار في قوله : { من فئة } أي طائفة من الناس يكرون عليه بعد أن هالهم ما دهمه ، وأصل الفئة الجماعة من الطير – كأنها سميت بذلك لكثرة رجوعها وسرعته إلى المكان الذي ذهبت منه { ينصرونه } .
ولما كان الله تعالى أعلى من كل شيء قال : { من دون الله } أي الحائز لصفات الكمال ، المتردي بالعظمة والجلال ، لأن من كان على مثل رأيه هلك ، ومن كان من أولياء الله راقب الله في أمره ، فلم يسألوا الله فيه ، وعلم هو أن الحق لله ، وضل عنه - كما في الآية التي قبلها - ما كان يفتري { وما كان } أي هو { من المنتصرين* } لأنفسهم بقوتهم .