تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{عَلَىٰ قَلۡبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ} (194)

المفردات :

على قلبك : على روحك ، لأن الروح هي المدركة المكلفة دون الجسد .

التفسير :

القرآن الكريم

{ وإنه لتنزيل رب العالمين( 192 ) نزل به الروح الأمين( 193 ) على قلبك لتكون من المنذرين( 194 ) بلسان عربي مبين( 195 ) وإنه لفي زبر الأولين( 196 ) أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل( 197 ) ولو نزلناه على بعض الأعجمين( 198 ) فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين ( 199 ) كذلك سلكناه في قلوب المجرمين( 200 ) لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم( 201 ) فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون( 202 ) فيقولوا هل نحن منظرون( 203 ) أفبعذابنا يستعجلون( 204 ) أفرأيت إن متعناهم سنين( 205 ) ثم جاءهم ما كانوا يوعدون( 206 ) ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون( 207 ) وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون( 208 ) ذكرى وما كنا ظالمين( 209 ) وما تنزلت به الشياطين( 210 ) وما ينبغي لهم وما يستطيعون ( 211 ) إنهم عن السمع لمعزولون( 212 ) } .

192

التفسير :

192 ، 193 ، 194 ، 195-{ وإنه لتنزيل رب العالمين*نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين*بلسان عربي مبين } .

إن القرآن الكريم نزل من عند الله تعالى ، وليس فيه سحر ولا كهانة ولا اختراع بشر ، وقد نزل به جبريل وهو الروح الأمين ، فهو أمين على وحي السماء ، فقد نزل بكتب الله على رسله ، قال تعالى : { مطاع ثم أمين } [ التكوير : 21 ] أي : إنه مطاع في ملائكة السماء ، وهو أيضا أمين على وحي الله .

{ على قلبك لتكون من المنذرين } .

تنزل بالوحي على روحك وقلبك ، لتستوعبه وتحفظه وتفهمه ، ثم تنذر به الآخرين .

وخص القلب ، لأنه محل النظر من الله ، ولأن القلب هو الذي يدير الجسم ، فإذا نشط في العبادة نشطت الأعضاء .

قال الشاعر :

وإذا حلت الهداية قلبا *** نشطت في العبادة الأعضاء

ويقول الآخر :

وإذا كان القلب أعمى عن الرش *** د فماذا تفيده العينان

وروى البخاري ، ومسلم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب )x .

وقال تعالى : { إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب . . . } [ ق : 37 ]

وقال تعالى : { فإنها لا تعمى الأبصار ، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور } [ الحج : 46 ] .

فالنبي صلى الله عليه وسلم قد استوعب القرآن بقلبه ، وحفظه وفهمه ، وبلغه إلى أمته وإلى الناس .

قال تعالى : { يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا*وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا } [ الأحزاب : 45 ، 46 ]

{ بلسان عربي مبين }

فقد نزل القرآن بلغة العرب ، واضحا مبينا ميسرا ، وفي هذا دعوة للعرب أن يستوعبوه ويفهموه ، ويؤمنوا به ويعملوا به ، ويبشروا به عباد الله .

قال تعالى : { وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه . . } [ الشورى : 7 ] .

وقال تعالى : { وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون } [ الزخرف : 44 ]

وفي هذه الآيات تحدث القرآن عن منزل الكتاب ، وهو رب العالمين ، وعن الذي نزل به وهو جبريل الأمين ، وعن المنزَّل عليه وهو قلب محمد صلى الله عليه وسلم ، وعن المبعوث إليهم وهم العرب المنذرون ، وعن اللسان الذي نزل به القرآن ، وهو اللسان العربي المبين ، وعن أدلة صدقه ، وهي بشارة التوراة والإنجيل به .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{عَلَىٰ قَلۡبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ} (194)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

نزله {على قلبك} ليثبت به قلبك يا محمد، {لتكون من المنذرين}.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

وقوله "عَلى قَلْبِكَ "يقول: نزل به الروح الأمين فتلاه عليك يا محمد، حتى وعيته بقلبك. وقوله: "لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ" يقول: لتكون من رسل الله الذين كانوا ينذرون من أُرسلوا إليه من قومهم، فتنذر بهذا التنزيل قومك المكذّبين بآيات الله.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

وقوله تعالى: {على قلبك} يحتمل وجوها:

أحدهما: أن جبريل لما ينزل من القرآن إنما ينزل على قلبه.

والثاني: {على قلبك} أي لا يذهب عنه، بل الله يجمعه في قلبك، كقوله: {لا تحرك به لسانك لتعجل به} {إن علينا جمعه وقرآنه} [القيامة: 16و17].

[والثالث] 1: أن يكون قوله: {على قلبك} أي يثبته على قلبك لقولهم: {لولا نزل عليه القرآن جملة} [وقوله تعالى] 2: {كذلك لنثبت به فؤادك} [الفرقان: 32].

[والرابع] 3: أن يكون قال ذلك لما انتهى إلى قلبه، وحفظه غاية حفظه قال {على قلبك} كأنه ألقي في قلبه.

تفسير القرآن للسمعاني 489 هـ :

وقوله: (على قلبك) ذكر القلب هاهنا؛ لأنه كان إذا قرئ عليه وعاه قلبه. وقوله: (لتكون من المنذرين) أي: المخوفين.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{على قَلْبِكَ} أي: حفظكه وفهمك إياه، وأثبته في قلبك إثبات ما لا ينسى، كقوله تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى} [الأعلى: 6].

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

{على قلبك} إشارة إلى حفظه إياه، وعلل النزول على قلبه بكونه {من المنذرين} لأنه لا يمكن أن ينذر به إلا بعد حفظه.

لباب التأويل في معاني التنزيل للخازن 741 هـ :

{على قلبك} يعني على قلبك حتى تعيه وتفهمه ولا تنساه وإنما خص القلب لأنه هو المخاطب في الحقيقة، وأنه موضع التمييز والعقل والاختيار وسائر الأعضاء مسخرة له ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم « ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» أخرجاه في الصحيحين.

ومن المعقول أن موضع الفرح والسرور، والغم والحزن هو القلب، فإذا فرح القلب أو حزن تغير حال سائر الأعضاء فكأن القلب كالرئيس لها، ومنه أن موضع العقل هو القلب على الصحيح من القولين، فإذا ثبت ذلك كان القلب هو الأمير المطلق، وهو المكلف والتكليف مشروط بالعقل والفهم.

البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :

وخص القلب، والمعنى عليك، لأنه محل الوعي والتثبيت.

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

أي: نزل به ملك كريم أمين، ذو مكانة عند الله، مطاع في الملأ الأعلى، {عَلَى قَلْبِكَ} يا محمد، سالمًا من الدنس والزيادة والنقص؛ {لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ}] أي: لتنذر به بأس الله ونقمته على من خالفه وكذبه، وتبشر به المؤمنين المتبعين له.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

{على قلبك} أي يا محمداً الذي هو أشرف القلوب وأعلاها، وأضبطها وأوعاها، فلا زيغ فيه ولا عوج، حتى صار خلقاً له، وفي إسقاط الواسطة إشارة إلى أنه -لشدة إلقائه السمع وإحضاره الحس- يصير في تمكنه منه بحيث يحفظه فلا ينسى، ويفهمه حق فهمه فلا يخفى...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

القلب: يطلق على ما به قبول المعلومات كما قال تعالى: {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلبٌ} [ق: 37] أي إدراك وعقل...

. ومعنى: {لتكون من المنذرين} لتكون من الرسل. واختير من أفعاله النذارة لأنها أخص بغرض السورة فإنها افتتحت بذكر إعراضهم وبإنذارهم. وفي: {من المنذرين} من المبالغة في تمكن وصف الرسالة منه ما تقدم غيرَ مرة في مثل هذه الصيغة في هذه القصص وغيرها.

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

فالمعنى: نزله على قلبك مباشرة، كأنه لم يمر بالأذن؛ لأن الله تعالى اصطفى لذلك رسولا صنعه على عينه، وأزال عنه العقبات البشرية التي تعوق هذه مباشرة، فكأن قلبه صلى الله عليه وسلم أصبح منتبها لتلقي كلام الله؛ لأنه مصنوع على عين الله، أما الذين سمعوا كلام الله بآذانهم فلم يتجاوبوا معه، فكانت قلوبهم مغلقة قاسية فلم تفهم. والقلب محل التكاليف، ومستقر العقائد، وإليه تنتهي محصلة وسائل الإدراك كلها، فالعين ترى، والأذن تسمع، والأنف يشم، والأيدي تلمس... ثم يعرض هذا كله على العقل ليختار بين البدائل، فإذا اختار العقل واطمأن إلى قضية ينقلها إلى القلب لتستقر به؛ لذلك نسميها عقيدة يعني: أمر عقد القلب عليه، فلم يعد يطفو إلى العقل ليبحث من جديد، لقد ترسخ في القلب، وأصبح عقيدة ثابتة.