تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنۡهَا وَمِن كُلِّ كَرۡبٖ ثُمَّ أَنتُمۡ تُشۡرِكُونَ} (64)

المفردات :

كرب : الكرب ؛ هو الغم والحزن الذي يأخذ بالنفس – كالكرب بضم الكاف .

التفسير :

64- قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون . قل لهم يا محمد : الله وحده هو الذي ينجيكم من هذه المخاوف والأهوال ، من كل غم يتنزل بكم ، لا يشاركه في إنجائكم من ذلك الشريك كما تعرفون وتشهدون ، ثم أنتم – بعد إنعامه عليهم إجابة دعائكم – تشركون معه غيره مخلفين بذلك وعدكم ، حانثين في أيمانكم .

فهل يليق بعاقل ان يشرك بالله آلهة تخلت عنه وقت الشدة ، وهل يليق بعاقل أن يترك شكر الله الذي أسدى له النعمة .

في الآية كما نرى هو دليل من أدلة الايمان هو دليل الفطرة ، فالإنسان عنده الشدة واللهفة والكوارث العظام لا يلجأ إلى الله ، حتى إن أحد الملحدين الكافرين كانت له ابنة وحيدة اشتد بها المرض وأصبحت على حافة الموت ، ولم ينفع معها علاج ولا دواء ، فجثا الملحد على ركبتيه امام ابنته وتضرع إلى الله قائلا يا رب اشفق ابنتي .

قال تعالى : حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين * فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير حق يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون . ( يونس : 22 ، 23 ) .

من تفسير الفخر الرازي :

جاء في التفسير الكبير لفخر الدين الرازي :

( والمقصود من ذلك أنه عند اجتماع هذه الأسباب الموجبة للخوف الشديد لا يرجع الإنسان إلا إلى الله ، وهذا الرجوع يحصل ظاهرا وباطنا ، لأن الإنسان في هذه الحالة يعظم إخلاصه في حضرة الله ، وينقطع رجاءه عن كل ما سواه وهو المراد من قوله : تضرعا وخفية .

ثم يقول في مكان آخر :

( ولفظ الآية يدل على أن عند حصول الشدائد ، يأتي الإنسان بأمور أحدها الدعاء ، وثانيها التضرع ، وثالثهما الإخلاص بالقلب ، وهو المراد بقوله خفية ، ورابعها التزام الاشتغال بالشكر ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه . وبالجملة فعادة أكثر الناس أنهم إذا شاهدوا الأمر الهائم أخلصوا ، وإذا انتقلوا إلى الأمن والرفاهية أشركوا به ( 100 ) .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنۡهَا وَمِن كُلِّ كَرۡبٖ ثُمَّ أَنتُمۡ تُشۡرِكُونَ} (64)

{ قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ } أي : من هذه الشدة الخاصة ، ومن جميع الكروب العامة . { ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ } لا تفون لله بما قلتم ، وتنسون نعمه عليكم ، فأي برهان أوضح من هذا على بطلان الشرك ، وصحة التوحيد ؟ "

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنۡهَا وَمِن كُلِّ كَرۡبٖ ثُمَّ أَنتُمۡ تُشۡرِكُونَ} (64)

{ قُلِ الله يُنَجِّيكُمْ مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ } أى قل لهم يا محمد : الله وحده هو الذى ينجيكم من هذه المخاوف والأهوال ومن كل غم يأخذ بنفوسكم ، ثم أنتم بعد هذه النجاة تشركون معه غيره ، مخلفين بذلك وعدكم حانثين فى أيمانكم .

قال الإمام الرازى : " والمقصود من ذلك أنه عند اجتماع هذه الأسباب الموجبة للخوف الشديد لا يرجع الإنسان إلا إلى الله ، وهذا الرجوع يحصل ظاهرا وباطنا ، لأن الإنسان فى هذه الحالة يعظم إخلاصه فى حضرة الله ، وينقطع رجاؤه عن كل ما سواه ، وهو المراد من قوله { تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً } فبين - سبحانه - أنه إذا شهدت الفطرة السليمة والخلقة الأصلية فى هذه الحالة بأن لا ملجأ إلى إلى الله ولا تعويل إلا على فضله ، وجب أن يبقى هذا الإخلاص فى كل الأحوال ، لكن الإنسان ليس كذلك فإنه بعد الفوز بالسلامة والنجاة يميل تلك السلامة إلى الأسباب الجسمانية ويقدم على الشرك .

ولفظ الآية يدل على أنه عند حصول الشدائد يأتى الإنسان بأمور :

أحدها : الدعاء .

وثانيها : التضرع .

وثالثها : الإخلاص بالقلب هو المراد من قوله { وَخُفْيَةً } .

ورابعها : التزام الاشتغال بالشكر . ونظير هذه الآية قوله - تعالى - { وَإِذَا مَسَّكُمُ الضر فِي البحر ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ } وقوله { وظنوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين } وبالجملة فعادة أكثر الناس أنهم إذا شاهدوا الأمر الهائل أخلصوا ، وإذا انتقلوا إلى الأمن والرفاهية أشركوا به " .