فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{لِمَن شَآءَ مِنكُمۡ أَن يَسۡتَقِيمَ} (28)

{ ولقد رآه بالأفق المبين ( 23 ) وما هو على الغيب بضنين ( 24 ) وما هو بقول شيطان رجيم ( 25 ) فأين تذهبون ( 26 ) إن هو إلا ذكر للعالمين ( 27 ) لمن شاء منكم أن يستقيم ( 28 ) وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين ( 29 ) } .

ولقد رأى النبي محمد جبريل بين السماء والأرض على صورته الأصلية وبأجنحته الملائكية ، وعاينه بوضوح- وذلك كما قيل قبل الإسراء بسنين- وإن محمدا لا يبخل بتعليم ما جاءه من ربه ولا يخفى ولا يكتم منه شيئا وإنما يبلغ ما أرسل به كاملا وافيا ؛ وما تستطيع الشياطين أن تقول القرآن ، أو تنال منه ، ولا هي تريده ، ولا تمكن منه ، فأين تتجه العقول والقلوب بعيدا عن القرآن ؟ وأي طريق غيره تسلك ؟ إنه تذكرة وموعظة للجن والإنس ، وهدى لمن شاء أن يسير على طريق الاستقامة والاعتدال ، وكل ما سواه انحراف ؛ وليست وجهة الحق تحت مشيئتكم ، دائما هي تابعة لمشيئة ربنا الله الكبير المتعال ، مصلح الخلق ، ومربي العالمين ؛ يقول القرطبي : وقال أبو هريرة وسليمان بن موسى : لما نزلت { لمن شاء منكم أن يستقيم } قال أبو جهل : الأمر إلينا إن شئنا استقمنا وإن شئنا لم نستقم- وهذا هو القدر وهو رأس القدرية- فنزلت { وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين } فبين بهذا أنه لا يعمل العبد خيرا إلا بتوفيق الله ولا شرا إلا بخذلانه ؛ وقال الحسن : والله ما شاءت العرب الإسلام حتى شاءه الله لها . وفي التنزيل : { ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء . . }{[9404]} وقال تعالى : { وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله } . {[9405]} وقال تعالى : { إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء . . . } . {[9406]} والآي في هذا كثير وكذلك الأخبار . اه .

يقول الألوسي : { وإذا الوحوش حشرت } . ذهب كثير إلى بعث جميع الحيوانات فقد أخرج مسلم والترمذي عن أبي هريرة في هذه الآية قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجماء من الشاة القرناء ) . وليس في هذا الباب نص من كتاب أو سنة معمول عليها يدل على حشر غيرها من الوحوش ، وخبر مسلم والترمذي وإن كان صحيحا لكنه لم يخرج مخرج التفسير للآية ؛ ويجوز أن يكون كناية عن العدل التام ، وإلى هذا القول أميل . . { علمت نفس ما أحضرت } جواب { إذا } على أن المراد بها زمان واحد ممتد يسع الأمور المذكورة ، مبدوءة قبيل النفخة الأولى أو هي ، ومنتهاه فصل القضاء بين الخلائق ، لكن لا بمعنى أن النفس تعلم ما تعلم في كل جزء من أجزاء ذلك الوقت المديد ؛ والمراد بما { أحضرت } أعمالها من الخير والشر ، وبحضور الأعمال : إما حضور صحائفها ، وإما حضور أنفسها على ما قالوا من أن الأعمال الظاهرة في هذه النشأة بصورة عرضية تبرز في النشأة الآخرة بصورة جوهرية . . . وجوز أن يكون ذلك للإشعار بأنه إذا علمت حينئذ نفس من النفوس ما أحضرت وجب على كل نفس إصلاح عملها . اه .


[9404]:- سورة الأنعام. من الآية 111.
[9405]:- سورة يونس. من الآية 100.
[9406]:سورة القصص. من الآية 56.