مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{قَالُواْ يَٰنُوحُ قَدۡ جَٰدَلۡتَنَا فَأَكۡثَرۡتَ جِدَٰلَنَا فَأۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} (32)

قوله تعالى { قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون }

في الآية مسائل :

المسألة الأولى : اعلم أن الكفار لما أوردوا تلك الشبهة وأجاب نوح عليه السلام عنها بالجوابات الموافقة الصحيحة ، أورد الكفار على نوح كلامين : الأول : أنهم وصفوه بكثرة المجادلة فقالوا : يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا ، وهذا يدل على أنه عليه السلام كان قد أكثر في الجدال معهم ، وذلك الجدال ما كان إلا في إثبات التوحيد والنبوة والمعاد ، وهذا يدل على أن الجدال في تقرير الدلائل وفي إزالة الشبهات حرفة الأنبياء ، وعلى أن التقليد والجهل والإصرار على الباطل حرفة الكفار . والثاني : أنهم استعجلوا العذاب الذي كان يتوعدهم به ، فقالوا : { فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين } .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قَالُواْ يَٰنُوحُ قَدۡ جَٰدَلۡتَنَا فَأَكۡثَرۡتَ جِدَٰلَنَا فَأۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} (32)

{ قَالُواْ يا نُوح قَدْ } أي خاصمتنا ونازعتنا ، وأصله من جدلت الحبل أي أحكمت فتله ومنه الجديل وجدلت البناء أحكمته ، ودرع مجدولة ، والأجدل الصقر المحكم البنية ، والمجدل القصر المحكم البناء ، وسميت المنازعة جدالاً لأن المتجادلين كأنهما يفتل كل واحد منهما الآخر عن رأيه ، وقيل : الأصل في الجدال الصراع وإسقاط الإنسان صاحبه على الجدالة ، وهي الأرض الصلبة { جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا } عطف على ما قبله على معنى شرعت في جدالنا فأطلته أو أتيت بنوع من أنواع الجدال فأعقبته بأنواع أخر فالفاء على ظاهرها ، ولا حاجة إلى تأويل { جَادَلْتَنَا } بأردت جدالنا كما قاله الجمهور في قوله تعالى : { فَإِذَا قَرَأْتَ القرءان فاستعذ بالله } [ النحل : 98 ] ونظير ذلك جادل فلان فأكثر ، وجعل بعضهم مجموع ذلك كناية عن التمادي والاستمرار .

وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما جدلنا ، وهو كما قال ابن جني اسم بمعنى الجدال ولما حجهم عليه السلام وأبرز لهم ما ألقمهم به الحجر ضاقت عليهم الحيل وعيت بهم العلل . وقالوا : { فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } من العذاب المعجل ، وجوز أن يكون المراد به العذاب الذي أشير إليه في قوله : { إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ } [ هود : 26 ] بناءاً على أن لا يكون المراد باليوم يوم القيامة ، و { مَا } موصولة والعائد محذوف أي بالذي تعدنا به ، وفي «البحر » تعدناه ، وجوز أن تكون مصدرية وفيه نوع تكلف { إِن كُنتَ مِنَ الصادقين } في حكمك بلحوق العذاب إن لم نؤمن بك .