مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُۥ لَن يُؤۡمِنَ مِن قَوۡمِكَ إِلَّا مَن قَدۡ ءَامَنَ فَلَا تَبۡتَئِسۡ بِمَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ} (36)

قوله تعالى { وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون }

فيه مسائل :

المسألة الأولى : قال ابن عباس رضي الله عنهما : لما جاء هذا من عند الله تعالى دعا على قومه فقال : { رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا } وقوله : { فلا تبتئس } أي لا تحزن ، قال أبو زيد : ابتأس الرجل إذا بلغه شيء يكرهه ، وأنشد أبو عبيدة :

ما يقسم الله أقبل غير مبتئس*** به وأقعد كريما ناعم البال

أي غير حزين ولا كاره .

المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على صحة قولهم في القضاء والقدر وقالوا : إنه تعالى أخبر عن قومه أنهم لا يؤمنون بعد ذلك ، فلو حصل إيمانهم لكان إما مع بقاء هذا الخبر صدقا ، ومع بقاء هذا العلم علما أو مع انقلاب هذا الخبر كذبا ومع انقلاب هذا العلم جهلا والأول ظاهر البطلان لأن وجود الإيمان مع أن يكون الإخبار عن عدم الإيمان صدقا ، ومع كون العلم بعدم الإيمان حاصلا حال وجود الإيمان جمع بين النقيضين ، والثاني أيضا باطل ، لأن انقلاب خبر الله كذبا وعلم الله جهلا محال ، ولما كان صدور الإيمان منهم محال مع أنهم كانوا مأمورين به ، وأيضا القوم كانوا مأمورين بالإيمان ومن الإيمان تصديق الله تعالى في كل ما أخبر عنه . ومنه قوله : { أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن } فيلزم أن يقال : إنهم كانوا مأمورين بأن يؤمنوا بأنهم لا يؤمنون البتة . وذلك تكليف الجمع بين النقيضين ، وتقرير هذا الكلام قد مر في هذا الكتاب مرارا وأطوارا .

المسألة الثالثة : اختلف المعتزلة في أنه هل يجوز أن ينزل الله تعالى عذاب الاستئصال على قوم كان في المعلوم أن فيهم من يؤمن أو كان في أولادهم من يؤمن ، فقال قوم : إنه لا يجوز . واحتجوا بما حكى الله تعالى عن نوح عليه السلام أنه قال : { رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا } وهذا يدل على أنه إنما حسن منه تعالى إنزال عذاب الاستئصال عليهم ، لأجل أنه تعالى علم أنه ليس من يؤمن ، ولا في أولادهم أحد يؤمن . قال القاضي وقال كثير من علمائنا : إن ذلك من الله تعالى جائز وإن كان منهم من يؤمن . وأما قول نوح عليه السلام : { رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا } فذلك يدل على أنه إنما سأل ذلك من حيث إنه كان في المعلوم أنهم يضلون عباده ولا يلدون إلا فاجرا كفارا وذلك يدل على أن ذلك الحكم كان قولا بمجموع هاتين العلتين ، وأيضا فلا دليل فيه على أنهما لو لم يحصلا لما جاز إنزال الإهلاك ، والأقرب أن يقال : إن نوحا عليه السلام لشدة محبته لإيمانهم كان سأل ربه أن يبقيهم ، فأعلمه أنه لا يؤمن منهم أحد ليزول عن قلبه ما كان قد حصل فيه من تلك المحبة ، ولذلك قال تعالى من بعد : { فلا تبتئس بما كانوا يفعلون } أي لا تحزن من ذلك ولا تغتم ولا تظن أن في ذلك مذلة ، فإن الدين عزيز ، وإن قل عدد من يتمسك به ، والباطل ذليل وإن كثر عدد من يقول به .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُۥ لَن يُؤۡمِنَ مِن قَوۡمِكَ إِلَّا مَن قَدۡ ءَامَنَ فَلَا تَبۡتَئِسۡ بِمَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ} (36)

{ وَأُوحِىَ إلى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ * ءامَنَ } إقناط له عليه السلام من إيمانهم وإعلام بأنه لم يبق فيهم من يتوقع إيمانه ، أخرج إسحاق بن بشر . وابن عساكر عن ابن عباس قال : إن نوحاً عليه السلام كان يضرب ثم يلف في لبد فيلقى في بيته يرون أنه قد مات ثم يخرج فيدعوهم ، واتفق أن جاءه رجل ومعه ابنه وهو يتوكأ على عصا فقال : يا بني انظر هذا الشيخ لا يغرنك قال : يا أبت أمكني من العصا فأخذ العصا ثم قال : ضعني على الأرض فوضعه فمشى إليه فضربه فشجه موضحة في رأسه وسالت الدماء فقال نوح عليه السلام : رب قد ترى ما يفعل بي عبادك فإن يك لك في عبادك حاجة فاهدهم وإن يكن غير ذلك فصبرني إلى أن تحكم وأنت خير الحاكمين فأوحى الله تعالى إليه وآيسه من إيمان قومه وأخبره أنه لم يبق في أصلاب الرجال ولا في أرحام النساء مؤمن . وقال سبحانه : { إلى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ } الخ ، والمراد بمن آمن قيل : من استمر على الإيمان وللدوام حكم الحدوث ، ولذا لو حلف لا يلبس هذا الثوب وهو لابسه فلم ينزعه في الحال حنث ، وقيل : المراد إلا من قد استعد للإيمان وتوقع منه ولا يراد ظاهره وإلا كان المعنى إلا من آمن فإنه يؤمن ، وأورد عليه أنه مع بعده يقتضي أن من القوم من آمن بعد ذلك ، وهو ينافي تقنيطه من إيمانهم ، وقد يقال : المراد ما هو الظاهر والاستثناء على حد الاستثناء في قوله تعالى : { وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الاختين إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ } [ النساء : 23 ] على ما قاله غير واحد ، فيفيد الكلام الإقناط على أتم وجه وأبلغه أي لن يحدث من قومك إيماناً ويحصله بعد إلا من قد أحدثه وحصله قبل ، وذلك مما لا يمكن لما فيه من تحصيل الحاصل وإحداث المحدث ، فإحداث الإيمان وتحصيل بعد مما لا يكون أصلاً ، وفي «الحواشي الشهابة » لو قيل : إن الاستثناء منقطع وأن المعنى لا يؤمن أحد بعد ذلك غير هؤلاء لكان معنى بليغاً فتدبر ، وقرأ أبو البرهسم { وَأُوحِىَ } مبنياً للفاعل وأنه بكسر الهمزة على إضمار القول على مذهب البصريين وعلى إجراء { أوحى } مجرى قال على مذهب الكوفيين ، واستدل بالآية من أجاز التكليف بما لا يطاق .

{ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } أي لا تلتزم البؤس ولا تحزن بما كانوا يتعاطونه من التكذيب والاستهزاء والإيذاء في هذه المدة الطويلة فقد حان وقت الانتقام منهم .