مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ بِأَعۡيُنِنَا وَوَحۡيِنَا وَلَا تُخَٰطِبۡنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِنَّهُم مُّغۡرَقُونَ} (37)

قوله تعالى { واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون }

واعلم أن قوله تعالى : { إنه لن يؤمن قومك إلا من قد آمن } يقتضي تعريف نوح عليه السلام أنه معذبهم ومهلكهم ، فكان يحتمل أن يعذبهم بوجوه التعذيب ، فعرفه الله تعالى أنه يعذبهم بهذا الجنس الذي هو الغرق ، ولما كان السبيل الذي به يحصل النجاة من الغرق تكوين السفينة . لا جرم أمر الله تعالى بإصلاح السفينة وإعدادها ، فأوحى الله تعالى إليه أن يصنعها على مثال جوجؤ الطائر .

فإن قيل : قوله تعالى : { واصنع الفلك } أمر إيجاب أو أمر إباحة .

قلنا : الأظهر أنه أمر إيجاب ، لأنه لا سبيل له إلى صون روح نفسه وأرواح غيره عن الهلاك إلا بهذا الطريق وصون النفس عن الهلاك واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، ويحتمل أن لا يكون ذلك الأمر أمر إيجاب بل كان أمر إباحة ، وهو بمنزلة أن يتخذ الإنسان لنفسه دارا ليسكنها ويقيم بها .

أما قوله : { بأعيننا } فهذا لا يمكن أجراؤه على ظاهره من وجوه : أحدها : أنه يقتضي أن يكون لله تعالى أعين كثيرة . وهذا يناقض ظاهر قوله تعالى : { ولتصنع على عيني } ثانيها : أنه يقتضي أن يصنع نوح عليه السلام ذلك الفلك بتلك الأعين ، كما يقال : قطعت بالسكين ، وكتبت بالقلم ، ومعلوم أن ذلك باطل . وثالثها : أنه ثبت بالدلائل القطعية العقلية كونه تعالى منزها عن الأعضاء والجوارح والأجزاء والأبعاض ، فوجب المصير فيه إلى التأويل ، وهو من وجوه : الأول : أن معنى { بأعيننا } أي بعين الملك الذي كان يعرفه كيف يتخذ السفينة ، يقال فلان عين على فلان نصب عليه ليكون منفحصا عن أحواله ولا تحول عنه عينه . الثاني : أن من كان عظيم العناية بالشيء فإنه يضع عينه عليه ، فلما كان وضع العين على الشيء سببا لمبالغة الاحتياط والعناية جعل العين كناية عن الاحتياط ، فلهذا قال المفسرون معناه بحفظنا إياك حفظ من يراك ويملك دفع السوء عنك ، وحاصل الكلام أن إقدامه على عمل السفينة مشروط بأمرين : أحدهما : أن لا يمنعه أعداؤه عن ذلك العمل . والثاني : أن يكون عالما بأنه كيف ينبغي تأليف السفينة وتركيبها ودفع الشر عنه ، وقوله : { ووحينا } إشارة إلى أنه تعالى يوحي إليه أنه كيف ينبغي عمل السفينة حتى يحصل منه المطلوب .

وأما قوله : { ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون } ففيه وجوه : الأول : يعني لا تطلب مني تأخير العذاب عنهم فإني قد حكمت عليهم بهذا الحكم ، فلما علم نوح عليه السلام ذلك دعا عليهم بعد ذلك وقال : { رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا } الثاني : { ولا تخاطبني } في تعجيل ذلك العقاب على الذين ظلموا ، فإني لما قضيت إنزال ذلك العذاب في وقت معين كان تعجيله ممتنعا ، الثالث : المراد بالذين ظلموا امرأته وابنه كنعان .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ بِأَعۡيُنِنَا وَوَحۡيِنَا وَلَا تُخَٰطِبۡنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِنَّهُم مُّغۡرَقُونَ} (37)

{ واصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا } عطف على { فَلاَ تَبْتَئِسْ } [ هود : 36 ] والأمر قيل : للوجوب إذ لا سبيل إلى صيانة الروح من الغرق إلا به فيجب كوجوبها ، وقيل : للإباحة وليس بشيء ، وأل في { الفلك } إنا للجنس أو للعهد بناءاً على أنه أوحى إليه عليه السلام من قبل أن الله سبحانه سيهلكهم بالغرق وينجيه ومن معه بشيء يصنعه بأمره تعالى من شأنه كيت وكيت واسمه كذا ، والباء للملابسة والجار والمجرور في موضع الحال من الفاعل ، والأعين حقيقة في الجارحة وهي جارية مجرى التمثيل كأن لله سبحانه أعيناً تكلؤه من تعدى الكفرة ومن الزيغ في الصنعة ، والجمع للمبالغة ، وقد انسلخ عنه لإضافته على ما قيل . معنى القلة وأريد به الكثرة ، وحينئذ يقوي أمر المبالغة ، وزعم بعضهم أن الأعين بمعنى الرقباء وأن في ذلك ما هو من أبلغ أنواع التجريد ، وذلك أنهم ينتزعون من نفس الشيء آخر مثله في صفته مبالغة بكمالها كما أنشد أبو علي

: أفات بنو مروان ظلماً دماءنا *** وفي الله إن لم يعدلوا حكم عدل

وقد جرد ههنا من ذات المهيمن جماعة الرقباء وهو سبحانه الرقيب نفسه ، وقيل : إن ملابسة العين كناية عن الحفظ وملابسة الأعين لمكان الجمع كناية عن كمال الحفظ والبمالغة فيه ، ونظير ذلك بسط اليد وبسط اليدين ، فإن الأول كناية عن الجود والثاني عن المبالغة فيه ، وجوز أن يكون المراد الحفظ الكامل على طريقة المجاز المرسل لما أن الحفظ من لوازم الجارحة ، وقيل : المراد من أعيننا ملائكتنا الذين جعلناهم عيوناً على مواضع حفظك ومعونتك ، والجمع حينئذ على حقيقته لا للمبالغة ، ويفهم من صنيع بعضهم أن هذا من المتشابه ، والكلام فيه شهير ، ففي الدر المنثور عند الكلام على هذه الآية . أخرج البيهقي عن سفيان بن عيينة قال : ما وصف الله تبارك وتعالى به نفسه في كتابه فقراءته تفسيره ليس لأحد أن يفسره بالعربية ولا بالفارسية ، وقرأ أبو طلحة بن مصرف بأعينا بالادغام { وَوَحْيِنَا } إليك كيف تصنعها وتعليمنا ، أخرج إسحق بن بشر . وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه عليه السلام لم يعلم كيف صنعة الفلك فأوحى الله تعالى إليه أن اجعل رأسها كرأس الديك . وجؤجؤها كجؤجؤ الطير . وذنبها كذنب الديك ، واجعل لها أبواباً في جنبها وشدها بدسر وأمره أن يطليها بالقار ولم يكن في الأرض قار ففجر الله تعالى له عين القار حيث ينحتها يغلي غلياناً حتى طلاها الخبر ، وفيه أن الله تعالى بعث جبريل عليه السلام فعلمه صنعتها ، وقيل : كانت الملائكة عليهم السلام تعلمه .

/ { وَلاَ * تخاطبنى في الذين ظَلَمُواْ } أي لا تراجعني فيهم ولا تدعني باستدفاع العذاب عنهم وفيه من المبالغة ما ليس فيما لو قيل : ولا تدعني فيهم ، وحيث كان فيه ما يلوح بما يستتبعه أكد التعليل فقيل : { إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ } أي محكوم عليهم بالاغراق ؛ وقد جرى به القضاء وجف القلم فلا سبيل إلى كفه ، والظاهر أن المراد من الموصول من لم يؤمن من قومه مطلقاً ، قيل : المراد واعلة زوجته . وكنعان ابنه . وليس بشيء .

( ومن باب الإشارة ) : { واصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا } قيل : فيه إشارة إلى عين الجمع المشار إليه بخبر «لا زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل » الحديث .

وقيل : أي كن في أعين رعايتنا وحفظنا ولا تكن في رؤية عملك والاعتماد عليه ، فإن من نظر إلى غيري احتجب به عني ، وقال بعضهم : أي أسقط عن نفسك تدبيرك واصنع ما أنت صانع من أفعالك على مشاهدتنا دون مشاهدة نفسك أو أحد من خلقي ، وقيل : أي اصنع الفلك ولا تعتمد عليه فإنك بأعيننا رعاية وكلاءة فإن اعتمدت على الفلك وكلت إليه وسقطت من أعيننا

{ وَلاَ تخاطبنى في الذين ظَلَمُواْ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ } [ هود : 37 ] فيه إشارة إلى رقة قلبه عليه السلام بعد احتمال جفوتهم وأذيتهم ، وهكذا شأن الصديقين ، والكلام في باقي الآية ظاهر ، ولا يخفى أنه يجب الإيمان بظاهرها والتصديق بوقوع الطوفان حسبما قص الله سبحانه وإنكار ذلك كفر صريح ، لكن ذكر بعض السادة أنه بعد الإيمان بذلك يمكن احتمال التأويل على أنه حظ الصوفي من الآية وذلك بأن يؤول الفلك بشريعة نوح التي نجا بها هو ومن آمن معه ، والطوفان باستيلاء بحر الهيولى وإهلاك من لم يتجرد عنها بمتابعة نبي وتزكية نفس كما جاء في مخاطبات إدريس عليه السلام لنفسه ما معناه إن هذه الدنيا بحر مملوء ماءاً فإن اتخذت سفينة تركبها عند خراب البدن نجوت منها إلى عالمك وإلا غرقت فيها وهلكت ، وعلى هذا يقال : معنى