مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَيَٰقَوۡمِ لَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مَالًاۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِۚ وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْۚ إِنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمۡ وَلَٰكِنِّيٓ أَرَىٰكُمۡ قَوۡمٗا تَجۡهَلُونَ} (29)

قوله تعالى { ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين }

في الآية مسائل :

المسألة الأولى : اعلم أن هذا هو الجواب عن الشبهة الثانية وهي قولهم لا يتبعك إلا الأراذل من الناس وتقرير هذا الجواب من وجوه :

الوجه الأول : أنه عليه الصلاة والسلام قال : « أنا لا أطلب على تبليغ دعوة الرسالة مالا حتى يتفاوت الحال بسبب كون المستجيب فقيرا أو غنيا وإنما أجري على هذه الطاعة الشاقة على رب العالمين » وإذا كان الأمر كذلك فسواء كانوا فقراء أو أغنياء لم يتفاوت الحال في ذلك .

الوجه الثاني : كأنه عليه الصلاة والسلام قال لهم إنكم لما نظرتم إلى ظواهر الأمور وجدتموني فقيرا وظننتم أني إنما اشتغلت بهذه الحرفة لأتوسل بها إلى أخذ أموالكم وهذا الظن منكم خطأ فإني لا أسألكم على تبليغ الرسالة أجرا إن أجري إلا على رب العالمين فلا تحرموا أنفسكم من سعادة الدين بسبب هذا الظن الفاسد .

والوجه الثالث : في تقرير هذا الجواب أنهم قالوا : { ما نراك إلا بشرا مثلنا } إلى قوله : { وما نرى لكم علينا من فضل } فهو عليه السلام بين أنه تعالى أعطاه أنواعا كثيرة توجب فضله عليهم ولذلك لم يسع في طلب الدنيا ، وإنما يسعى في طلب الدين ، والإعراض عن الدنيا من أمهات الفضائل باتفاق الكل ، فلعل المراد تقرير حصول الفضيلة من هذا الوجه .

فأما قوله : { وما أنا بطارد الذين آمنوا } فهذا كالدليل على أن القوم سألوه طردهم رفعا لأنفسهم عن مشاركة أولئك الفقراء . روى ابن جريج أنهم قالوا : إن أحببت يا نوح أن نتبعك فاطردهم فإنا لا نرضى بمشاركتهم . فقال عليه الصلاة والسلام : { وما أنا بطارد الذين آمنوا } وقوله تعالى حكاية عنهم أنهم قالوا : { وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادى الرأي } كالدليل على أنهم طلبوا منه طردهم لأنه كالدليل على أنهم كانوا يقولون : لو اتبعك أشراف القوم لوافقناهم ، ثم إنه تعالى حكى عنه أنه ما طردهم ، وذكر في بيان ما يوجب الامتناع من هذا الطرد أمورا : الأول : أنهم ملاقوا ربهم وهذا الكلام يحتمل وجوها : منها أنهم قالوا : هم منافقون فيما أظهروا فلا تغتر بهم ؟ فأجاب بأن هذا الأمر ينكشف عند لقاء ربهم في الآخرة ، ومنها : أنه جعله علة في الامتناع من الطرد وأراد أنهم ملاقوا ما وعدهم ربهم ، فإن طردتهم استخصموني في الآخرة ، ومنها أنه نبه بذلك الأمر على أنا نجتمع في الآخرة فأعاقب على طردهم فلا أجد من ينصرني ، ثم بين أنهم يبنون أمرهم على الجهل بالعواقب والاغترار بالظواهر فقال { ولكنى أراكم قوما تجهلون } .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَيَٰقَوۡمِ لَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مَالًاۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِۚ وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْۚ إِنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمۡ وَلَٰكِنِّيٓ أَرَىٰكُمۡ قَوۡمٗا تَجۡهَلُونَ} (29)

{ وياقوم } ناداهم بذلك تلطفاً بهم واستدراجاً لهم { لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ } أي التبليغ المفهوم مما تقدم ، وقيل : الضمير للإنذار ، وأفرد الله سبحانه بالعبادة ، وقيل : للدعاء إلى التوحيد ، وقيل : غير ذلك ، وكلها أقوال متقاربة أي لا أطلب منكم على ذلك { مَالاً } تؤدونه إلى بعد إيمانكم ، وأجراً لي في مقابلة اهتدائكم { إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى الله } فهو سبحانه يثيبني على ذلك في الآخرة ولا بدّ حسب وعده الذي لا يخلف ، فالمراد بالأجر الأجر على التبليغ ، وجوز أن يراد الأجر على الطاعة مطلقاً ، ويدخل فيه ذلك دخولاً أولياً ، وفي التعبير بالمال أولاً . وبالأجر ثانياً ما لا يخفى من مزية ما عند الله تعالى على ما عندهم { وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ الذين ءامَنُواْ } قيل : هو جواب عما لوحوا به بقولهم : { وَمَا نَرَاكَ اتبعك إِلاَّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا } [ هود : 27 ] من أنه لو اتبعه الأشراف لوافقوهم وأن اتباع الفقراء مانع لهم عن ذلك كما صرحوا به في قولهم : { أَنُؤْمِنُ لَكَ واتبعك الارذلون } [ الشعراء : 111 ] فكان ذلك التماساً منهم لطردهم وتعليقاً لإيمانهم به عليه السلام بذلك أنفة من الانتظام معهم في سلك واحد انتهى ، والمروى عن ابن جريج أنهم قالوا له يا نوح : إن أحببت أن نتبعك فاطرد هؤلاء وإلا فلن نرضى أن نكون نحن وهم في الأمر سواء ، وذلك كما قال قريش للنبي صلى الله عليه وسلم في فقراء الصحابة رضي الله تعالى عنهم : اطرد هؤلاء عنك ونحن نتبعك فأنا نستحيي أن نجلس معهم في مجلسك فهو جواب عما لم يذكر في النظم الكريم لكن فيه نوع إشارة إليه ، وقرىء { بِطَارِدِ } بالتنوين قال الزمخشري : على الأصل يعني أن اسم الفاعل إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال فأصله أن يعمل ولا يضاف ، وهو ظاهر كلام سيبويه ، واستدرك عليه أبو حيان بأنه قد يقال : إن الأصل الإضافة لأنه قد اعتوره شبهان : أحدهما شبهه بالمضارع وهو شبه بغير جنسه ، والآخر شبهه بالأسماء إذا كانت فيها الإضافة ، وإلحاقه بجنسه أولى من إلحاقه بغير جنسه انتهى ، وربما يقال : إن أولوية إلحاقه بالأسماء إنما يتم القول بها إذا كانت الإضافة في الأسماء هي الأصل وليس فليس { أَنَّهُم ملاقوا رَبّهِمْ } تعليل للامتناع من طردهم كأنه قيل : لا أدرهم ولا أبعدهم عن مجلسي لأنهم من أهل الزلفى المقربون الفائزون عند الله تعالى ؛ وانفهام الفوز بمعونة المقام وإلا فملاقاة الله تعالى تكون للفائز وغيره ، أو أنهم ملاقوا ربهم فيخاصمون طاردهم عنده فيعاقبه على ما فعل وحمله على أنهم مصدقون في الدنيا بلقاء ربهم موقنون به عالمون أنهم ملاقوه لا محالة فكيف أطردهم خلاف الظاهر على أن هذا التصديق من توابع الإيمان ، وقيل : المعنى إنهم يلاقونه تعالى فيجازيهم على ما في قلوبهم من إمان صحيح ثابت كما ظهر لي أو على خلاف ذلك مما تعرفونهم به من بناء أمرهم على بادىء الرأي من غير تعمق في الفكر ، وما على أن أشق عن قلوبهم وأتعرف سر ذلك منهم حتى أطردهم إن كان الأمر كما تزعمون ، وفيه أنه مع كونه مبنياً على أن سؤال الطرد لعدم إخلاصهم لا لاسترذالهم وحاله أظهر من أن يخفى يأباه اغلجزم بترتب غضب الله تعالى على طردهم كما سيأتي إن شاء الله تعالى { ولكنى أُرِيكُمْ *قَوْمًا تَجْهَلُونَ } أي بكل ما ينبغي أن يعلم ، ويدخل فيه جهلهم بمنزلتهم عند الله تعالى وبما يترتب من المحذور على طردهم وبركاكة رأيهم في التماس ذلك ، وتوقف إيمانهم عليه وغير ذلك وإيثار صيغة الفعل للدلالة على التجدد والاستمرار ، وعبر بالرؤية موافقة لتعبيرهم ، وجوز أن يكون الجهل بمعنى الجناية على الغير وفعل ما يشق عليه لا بمعنى عدم العلم المذموم وهو معنى شائع كما في قوله

: ألا لا يجهلن أحد علينا *** فنجهل فوق جهل الجاهلينا

أي ولكني أراكم قوماً تتسفهون على المؤمنين بنسبتهم إلى الخساسة .

( ومن باب الإشارة ) : { وياقوم لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً } أي ليس لي مطمح في شيء من أموالكم التي ظننتم أن الشرف بها { إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى الله } فهو يثيبني بما هو خير وأبقى { وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ الذين ءامَنُواْ إِنَّهُمْ * ملاقوا رَبّهِمْ } أي إنهم أهل الزلفى عنده تعالى وهم حمائم أبراج الملكوت وبزاة معارج الجبروت { ولكنى أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ } [ هود : 29 ] تسفهون عليهم وتؤذونهم