قوله عز وجل { أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون }
اعلم أن الله تعالى وصف هؤلاء المنكرين الجاحدين بصفات كثيرة في معرض الذم .
الصفة الأولى : كونهم مفترين على الله ، وهي قوله : { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا }
والصفة الثانية : أنهم يعرضون على الله في موقف الذل والهوان والخزي والنكال . وهي قوله : { أولئك يعرضون على ربهم }
والصفة الثالثة : حصول الخزي والنكال والفضيحة العظيمة ، وهي قوله : { ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم }
والصفة الرابعة : كونهم ملعونين من عند الله ، وهي قوله : { ألا لعنة الله على الظالمين }
والصفة الخامسة : كونهم صادين عن سبيل الله مانعين عن متابعة الحق ، وهي قوله : { الذين يصدون عن سبيل الله }
والصفة السادسة : سعيهم في إلقاء الشبهات ، وتعويج الدلائل المستقيمة ، وهي قوله : { ويبغونها عوجا }
والصفة السابعة : كونهم كافرين ، وهي قوله : { وهم بالآخرة هم كافرون }
والصفة الثامنة : كونهم عاجزين عن الفرار من عذاب الله ، وهي قوله : { أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض } قال الواحدي : معنى الإعجاز المنع من تحصيل المراد . يقال أعجزني فلان أي منعني عن مرادي ، ومعنى معجزين في الأرض أي لا يمكنهم أن يهربوا من عذابنا فإن هرب العبد من عذاب الله محال ، لأنه سبحانه وتعالى قادر على جميع الممكنات ، ولا تتفاوت قدرته بالبعد والقرب والقوة والضعف .
والصفة التاسعة : أنهم ليس لهم أولياء يدفعون عذاب الله عنهم ، والمراد منه الرد عليهم في وصفهم الأصنام بأنها شفعاؤهم عند الله والمقصود أن قوله : { أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض } دل على أنهم لا قدرة لهم على الفرار وقوله : { وما كان لهم من دون الله من أولياء } هو أن أحدا لا يقدر على تخليصهم من ذلك العذاب ، فجمع تعالى بين ما يرجع إليهم وبين ما يرجع إلى غيرهم وبين بذلك انقطاع حيلهم في الخلاص من عذاب الدنيا والآخرة ، ثم اختلفوا فقال قوم المراد إن عدم نزول العذاب ليس لأجل أنهم قدروا على منع الله من إنزال العذاب ولا لأجل أن لهم ناصرا يمنع ذلك العذاب عنهم ، بل إنما حصل ذلك الإمهال لأنه تعالى أمهلهم كي يتوبوا فيزولوا عن كفرهم فإذا أبوا إلا الثبات عليه فلا بد من مضاعفة العذاب في الآخرة ، وقال بعضهم : بل المراد أن يكونوا معجزين لله عما يريد إنزاله عليهم من العذاب في الآخرة أو في الدنيا ولا يجدون وليا ينصرهم ويدفع ذلك عنهم .
والصفة العاشرة : قوله تعالى : { يضاعف لهم العذاب } قيل سبب تضعيف العذاب في حقهم أنهم كفروا بالله وبالبعث وبالنشور ، فكفرهم بالمبدأ والمعاد صار سببا لتضعيف العذاب ، الأصوب أن يقال إنهم مع ضلالهم الشديد ، سعوا في الإضلال ومنع الناس عن الدين الحق ، فلهذا المعنى حصل هذا التضعيف عليهم .
الصفة الحادية عشرة : قوله : { ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون } والمراد ما هم عليه في الدنيا من صمم القلب وعمى النفس ، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى قد يخلق في المكلف ما يمنعه الإيمان ، روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال إنه تعالى منع الكافر من الإيمان في الدنيا والآخرة ، أما في الدنيا ففي قوله تعالى : { ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون } وأما في الآخرة فهو قوله : { يدعون إلى السجود فلا يستطيعون } وحاصل الكلام في هذا الاستدلال أنه تعالى أخبر عنهم أنهم لا يستطيعون السمع ، فإما أن يكون المراد أنهم ما كانوا يستطيعون سمع الأصوات والحروف ، وإما أن يكون المراد كونهم عاجزين عن الوقوف على دلائل الله تعالى ، والقول الأول باطل لأن البديهة دلت على أنهم كانوا يسمعون الأصوات والحروف ، وجب حمل اللفظ على الثاني أجاب الجبائي عنه بأن السمع إما أن يكون عبارة عن الحاسة المخصوصة ، أو عن معنى يخلقه الله تعالى في صماخ الأذن ، وكلاهما لا يقدر العبد عليه ، لأنه لو اجتهد في أن يفعل ذلك أو يتركه لتعذر عليه ، وإذا ثبت هذا كان إثبات الاستطاعة فيه محالا ، وإذا كان إثباتها محالا كان نفي الاستطاعة عنه هو الحق ، فثبت أن ظاهر الآية لا يقدح في قولنا . ثم قال المراد بقوله : { ما كانوا يستطيعون السمع } إهمالهم له ونفورهم عنه كما يقول القائل : هذا كلام لا أستطيع أن أسمعه ، وهذا مما يمجه سمعي وذكر غير الجبائي عذرا آخر ، فقال إنه تعالى نفى أن يكون لهم أولياء والمراد الأصنام ثم بين نفي كونهم أولياء بقوله : { ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون } فكيف يصلحون للولاية .
والجواب : أما حمل الآية على أنه لا قدرة لهم على خلق الحاسة وعلى خلق المعنى فيها فباطل ، لأن هذه الآية وردت في معرض الوعيد فلا بد وأن يكون ذلك معنى مختصا بهم ، والمعنى الذي قالوه حاصل في الملائكة والأنبياء فكيف يمكن حمل اللفظ عليه ، وأما قوله إن ذلك محمول على أنهم كانوا يستثقلون سماع كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وإبصار صورته .
فالجواب أنه تعالى نفى الاستطاعة فحمله على معنى آخر خلاف الظاهر ، وأيضا أن حصول ذلك الاستثقال إما أن يمنع من الفهم والوصول إلى الغرض أو لم يمنع ، فإن منع فهو المقصود ، وإن لم يمنع منه فحينئذ كان ذلك سببا أجنبيا عن المعاني المعتبرة في الفهم والإدراك ، ولا تختلف أحوال القلب في العلم والمعرفة بسببه ، فكيف يمكن جعله ذما لهم في هذا المعرض ، وأيضا قد بينا مرارا كثيرة في هذا الكتاب أن حصول الفعل مع قيام الصارف محال ، فلما بين تعالى كون هذا المعنى صارفا عن قبول الدين الحق وبين فيه أنه حصل حصولا على سبيل اللزوم بحيث لا يزول البتة في ذلك الوقت كان المكلف في ذلك الوقت ممنوعا عن الإيمان ، وحينئذ يحصل المطلوب ، وأما قوله فإنا نجعل هذه الصفة من صفة الأوثان فبعيد لأنه تعالى قال : { يضاعف لهم العذاب } ثم قال : { ما كانوا يستطيعون السمع } فوجب أن يكون الضمير في هذه الآية المتأخرة عائدا إلى عين ما عاد إليه الضمير المذكور في هذه الآية الأولى . وأما قوله : { وما كانوا يبصرون } فقيل : المراد منه البصيرة ، وقيل : المراد منه أنهم عدلوا عن إبصار ما يكون حجة لهم .
{ أولئك } الموصوفون بما يوجب التدمير { لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ } لله تعالى مفلتين أنفسهم من أخذه لو أراد ذلك { فِى الارض } مع سعتها وإن هربوا منها كل مهرب وجعلها بعضهم كناية عن الدنيا { وَمَا كَانَ لَهُمْ مّن دُونِ الله مِنْ أَوْلِيَاء } ينصرونهم من بأسه ولكن أخر ذلك لحكمة تقتضيه ، و { مِنْ } زائدة لاستغراق النفي ، وجمع { أَوْلِيَاء } إما باعتبار أفراد الكفرة كأنه قيل : وما كان لأحد منهم من ولي ، أو باعتبار تعدد ما كانوا يدعون من دون الله تعالى فيكون ذلك بياناً لحال آلهتهم من سقوطها عن رتبة الولاية { يضاعف لَهُمْ * العذاب } جملة مستأنفة بين فيها ما يكون لهم ويحل بهم ، وادعى أنها تتضمن حكمة تأخير المؤاخذة ، وزعم بعضهم أنها من كلام الأشهاد ، وهي دعائية ليس بشيء .
وقرأ ابن كثير . وابن عامر . ويعقوب يضعف بالتشديد { مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السمع } أي أنهم كانوا يستثقلون سماع الحق الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ويستكرهونه إلى أقصى الغايات حتى كأنهم لا يستطيعونه ، وهو نظير قول القائل : العاشق لا يستطيع أن يسمع كلام العاذل ، ففي الكلام استعارة تصريحية تبعية ، ولا مانع من اعتبار الاستعارة التمثيلية بدلها وإن قيل به ، وبالجملة لا ترد الآية على المعتزلة وكذا على أهل السنة لأنهم لا ينفون الاستطاعة رأساً وإن منعوا إيجاد العبد لشيء مّا ، وكأنه لما كان قبح حالهم في عدم إذعانهم للقرآن الذي طريق تلقيه السمع أشد منه في عدم قبولهم سائر الآيات المنوطة بالإبصار . بالغ سبحانه في نفي الأول عنهم حسبماً علمت واكتفى في الثاني بنفي الإبصار فقال عز قائلاً : { وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ } أي أنهم كانوا يتعامون عن آيات الله تعالى المبسوطة في الأنفس والآفاق ، وكأن الجملة جواب سؤال مقدر عن علة مضاعفة العذاب كأنه قيل : ما لهم استوجبوا تلك المضاعفة ؟ فقيل : لأنهم كروهوا الحق أشد الكراهة واستثقلوا سماعه أعظم الاستثقال وتعاموا عن آيات الملك المتعال ، ولا يشكل على هذا قوله سبحانه : { مَن جَاء * بالسيئة فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } [ الأنعام : 160 ] بناءاً على أن المراد بمثل السيئة ما تقتضيه من العقاب عند الله تعالى فلعل ما فعلوه من السيئات يقتضي تلك المضاعفة فتكون هي المثل كما أن مثل سيئة الكفر هو الخلود في النار ، وقيل : إن المضاعفة لافترائهم وكذبهم على ربهم وصدّهم عن سبيل الله تعالى وبغيهم إياها العوج وكفرهم بالآخرة على ما يدل عليه نسبة مضاعفة العذاب إلى هؤلاء الموصوفين بتلك الصفات وبه جمع بين ما هنا ؛ وقوله سبحانه : { مَن جَاء * بالسيئة }
[ الأنعام : 160 ] الآية ، ولعل التعليل بما تفيده الجملة على هذا لأنه الأصل الأصيل لسائر قبائحهم ومعاصيهم .
وزعم بعضهم أن المضاعفة لحفظ الأصل إذ لولا ذلك لارتفع ولم يبق عذاباً للإلف بطول الأمد وفيه ما فيه ، وقيل : إن الجملة بيان لما نفى من ولاية الآلهة فإن ما لا يسمع ولا يبصر بمعزل عن الولاية وقوله سبحانه : { يضاعف } الخ اعتراض وسط بينهما نعياً عليهم من أول الأمر بسوء العاقبة ، وفيه أنه مخالف للسياق ومستلزم تفكيك الضمائر ، وجوز أبو البقاء أن تكون { مَا } مصدرية ظرفية أي يضاعف لهم العذاب مدة استطاعتهم السمع وإبصارهم ، والمعنى أن العذاب وتضعيفه دائم لهم متماد ، وأجاز الفراء أن تكون مصدرية وحذف حرف الجر منها كما يحذف من أن وأن ، وفيه بعد لفظاً ومعنى .