مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{أَمۡ أَمِنتُمۡ أَن يُعِيدَكُمۡ فِيهِ تَارَةً أُخۡرَىٰ فَيُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ قَاصِفٗا مِّنَ ٱلرِّيحِ فَيُغۡرِقَكُم بِمَا كَفَرۡتُمۡ ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ عَلَيۡنَا بِهِۦ تَبِيعٗا} (69)

ثم قال : { أم أمنتم أن نعيدكم فيه } أي في البحر تارة أخرى وقوله : { فنرسل عليكم قاصفا } من الريح القاصف الكاسر يقال : قصف الشيء يقصفه قصفا إذا كسره بشدة ، والقاصف من الريح التي تكسر الشجر ، وأراد ههنا ريحا شديدة تقصف الفلك وتغرقهم وقوله : { فنغرقكم بما كفرتم } أي بسبب كفركم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا . قال الزجاج : أي لا تجدوا من يتبعنا بإنكار ما نزل بكم بأن يصرفه عنكم ، وتبيع بمعنى تابع .

واعلم أن هذه الآية مشتملة على ألفاظ خمسة : وهي قوله : { أن نخسف . أو نرسل . أو نعيدكم . فنرسل . فنغرقكم } قرأ ابن كثير وأبو عمرو جميع هذه الخمسة بالنون ، والباقون بالياء ، فمن قرأ بالياء ، فلأن ما قبله على الواحد الغائب وهو قوله : { إلا إياه فلما نجاكم } ومن قرأ بالنون فلأن هذا البحر من الكلام ، قد ينقطع بعضه من بعض وهو سهل لأن المعنى واحد . ألا ترى أنه قد جاء { وجعلناه هدى لبنى إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلا } [ الإسراء : 2 ] فانتقل من الجمع إلى الأفراد وكذلك ههنا يجوز أن ينتقل من الغيبة إلى الخطاب ، والمعنى واحد والكل جائز ، والله أعلم .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَمۡ أَمِنتُمۡ أَن يُعِيدَكُمۡ فِيهِ تَارَةً أُخۡرَىٰ فَيُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ قَاصِفٗا مِّنَ ٱلرِّيحِ فَيُغۡرِقَكُم بِمَا كَفَرۡتُمۡ ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ عَلَيۡنَا بِهِۦ تَبِيعٗا} (69)

{ أَمْ أَمِنتُمْ } أي بل أأمنتم { أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ } أي في البحر الذي نجاكم منه فأعرضتم بركوب الفلك لا في الفلك لأنها مؤنثة وأوثرت كلمة في على كلمة إلى المنبئة عن مجرد الانتهاء على استقرارهم فيه { تَارَةً أخرى } أي مرة غير المرة الأولى ، وهو منصوب على الظرفية ويجمع على تارات وتير كما في قوله :

يقوم تارات ويمشي تيرا . . . وربما حذفوا منه الهاء كقوله :

بالويل تاراً والثبور تارا . . . وإسناد الإعادة إليه تعالى مع أن العود باختيارهم ومما ينسب إليهم وإن كان مخلوقاً له سبحانه كسائر أفعالهم باعتبار خلق الدواعي فيهم الملجئة إلى ذلك ، وفيه إيماء إلى كمال شدة هول ما لاقوه في التارة الأولى بحيث لولا الإعادة ما عادوا { فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ } وأنتم في البحر { قَاصِفًا مّنَ الريح } وهي الريح الشديدة التي تقصف ما تمر به من الشجر ونحوه أو التي لها قصيف وهو الصوت الشديد كأنها تتقصف أي تتكسر .

وأخرج ابن جرير . وابن المنذر . عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : القاصف من الريح الريح التي تغرق ، وقيل : الريح المهلكة في البر حاصب والريح المهلكة في البحر قاصف والعاصف كالقاصف كما روى عن عبد الله بن عمرو ، وفي رواية عن ابن عباس تفسير القاصف بالعاصف ، وقرأ أبو جعفر { مِنْ * الرياح } بالجمع { فَيُغْرِقَكُم } الله سبحانه بواسطة ما ينال فلككم م القاصف ، وقرأ أبو جعفر { *فتغرقكم } بتلتاء ثالثة الحروف على أن الفعل مسند إلى الريح ، والحسن . وأبو بجار { الريح فَيُغْرِقَكُم } بالياء آخر الحروف وفتح الغين وشد الراء ، وفي رواية عن أبي جعفر كذلك إلا أنه بالتاء لا الياء ، وقرأ حميد بالنون وإسكان الغين وإدغام القاف في الكاف ورويت عن أبي عمرو . وابن محيصن { بِمَا كَفَرْتُمْ } أي بسبب كفركم السابق وهو إعراضهم عند الانجاء في المرة الأولى ، وقيل : بسبب كفركم الذي هو دأبكم { ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا } أي نصيراً كما روى عن ابن عباس أو ثائراً يطلبنا بما فعلنا انتصاراً منا أو دركاً للثار من جهتنا فهو كقوله تعالى : { فَسَوَّاهَا * وَلاَ يَخَافُ عقباها } [ الشمس : 14 ، 15 ] كما روى عن مجاهد ، وضمير { بِهِ } قيل للإرسال ، وقيل : للإغراق ، وقيل : لهما باعتبار ما وقع ونحوه كما أشير إليه وكأنه سبحانه لما جعل الغرق بين الإعادة إلى البحر انتقاماً في مقابلة الكفر عقبه تعالى بنفي وجدان التبيع فكأنه قيل ننتقم من غير أن يقوم لنصركم فهو وعيد على وعيد وجعل ما قبل من شق العذاب كمس الضر في البحر عقبه بنفي وجدان الوكيل فكأنه قيل لا تجدون من تتكلون عليه في دفعه غيره تعالى لقوله سبحانه : { ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ } [ الإسراء : 67 ] وهذا اختيار «صاحب الكشف » فلا تغفل .