مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{۞فَحَمَلَتۡهُ فَٱنتَبَذَتۡ بِهِۦ مَكَانٗا قَصِيّٗا} (22)

قوله تعالى :{ فحملته فانتبذت به مكانا قصيا فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : ذكر الله تعالى أمر النفخ في آيات فقال : { فنفخنا فيه من روحنا } أي في عيسى عليه السلام كما قال لآدم عليه السلام : { ونفخت فيه من روحي } وقال فنفخنا فيها لأن عيسى عليه السلام كان في بطنها واختلفوا في النافخ فقال بعضهم كان النفخ من الله تعالى لقوله : { فنفخنا فيه من روحنا } وظاهره يفيد أن النافخ هو الله تعالى لقوله تعالى : { إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب } ومقتضى التشبيه حصول المشابهة إلا فيما أخرجه الدليل ، وفي حق آدم النافخ هو الله تعالى لقوله تعالى : { ونفخت فيه من روحي } فكذا ههنا وقال آخرون : النافخ هو جبريل عليه السلام لأن الظاهر من قول جبريل عليه السلام : { لأهب لك } أنه أمر أن يكون من قبله حتى يحصل الحمل لمريم عليها السلام فلا بد من إحالة النفخ إليه ، ثم اختلفوا في كيفية ذلك النفخ على قولين : الأول : قول وهب إنه نفخ جبريل في جيبها حتى وصلت إلى الرحم . الثاني : في ذيلها فوصلت إلى الفرج . الثالث : قول السدي أخذ بكمها فنفخ في جنب درعها فدخلت النفخة صدرها فحملت فجاءتها أختها امرأة زكريا تزورها فالتزمتها فلما التزمتها علمت أنها حبلى وذكرت مريم حالها ، فقالت امرأة زكريا إني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك فذلك قوله تعالى : { مصدقا بكلمة من الله } .

الرابع : أن النفخة كانت في فيها فوصلت إلى بطنها فحملت في الحال ، إذ عرفت هذا ظهر أن في الكلام حذفا وهو ، وكان أمرا مقضيا ، فنفخ فيها فحملته .

المسألة الثانية : قيل حملته وهي بنت ثلاث عشرة سنة ، وقيل بنت عشرين وقد كانت حاضت حيضتين قبل أن تحمل . وليس في القرآن ما يدل على شيء من هذه الأحوال .

المسألة الثالثة : { فانتبذت به } أي اعتزلت وهو في بطنها كقوله : { تنبت بالدهن } أي تنبت والدهن فيها ، واختلفوا في علة الإنتباذ على وجوه . أحدها : ما رواه الثعلبي في العرائس عن وهب قال : إن مريم لما حملت بعيسى عليه السلام كان معها ابن عم لها يقال له يوسف النجار وكانا منطلقين إلى المسجد الذي عند جبل صهيون ، وكان يوسف ومريم يخدمان ذلك المسجد ولا يعلم في أهل زمانهما أحد أشد اجتهادا ولا عبادة منهما ، وأول من عرف حمل مريم يوسف فتحير في أمرها فكلما أراد أن يتهمها ذكر صلاحها وعبادتها ، وأنها لم تغب عنه ساعة قط ، وإذا أراد أن يبرئها رأى الذي ظهر بها من الحمل فأول ما تكلم أن قال إنه وقع في نفسي من أمرك شيء وقد حرصت على كتمانه فغلبني ذلك فرأيت أن الكلام فيه أشفى لصدري ، فقالت : قل قولا جميلا قال : أخبريني يا مريم هل ينبت زرع بغير بذر وهل تنبت شجرة من غير غيث ، وهل يكون ولد من غير ذكر ؟ قالت نعم : ألم تعلم أن الله أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر وهذا البذر إنما حصل من الزرع الذي أنبته من غير بذر ، ألم تعلم أن الله تعالى أنبت الشجرة من غير غيث وبالقدرة جعل الغيث حياة الشجر بعد ما خلق كل واحد منهما على حدة ، أو تقول إن الله تعالى لا يقدر على أن ينبت الشجرة حتى استعان بالماء ، ولولا ذلك لم يقدر على إنباتها ، فقال يوسف : لا أقول هذا ولكني أقول إن الله قادر على ما يشاء فيقول له كن فيكون ، فقالت له مريم : أو لم تعلم أن الله خلق آدم وامرأته من غير ذكر ولا أنثى ؟ فعند ذلك زالت التهمة عن قلبه وكان ينوب عنها في خدمة المسجد لاستيلاء الضعف عليها بسبب الحمل وضيق القلب ، فلما دنا نفاسها أوحى الله إليها أن اخرجي من أرض قومك لئلا يقتلوا ولدك فاحتملها يوسف إلى أرض مصر على حمار له ،

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{۞فَحَمَلَتۡهُ فَٱنتَبَذَتۡ بِهِۦ مَكَانٗا قَصِيّٗا} (22)

{ فَحَمَلَتْهُ } الفاء فصيحة أي فاطمأنت إلى قوله فدنا منها فنفخ في جيبها فدخلت النفخة في جوفها فحملته . وروى هذا عن ابن عباس . وقيل : لم يدن عليه السلام بل نفخ عن بعد فوصل الريح إليها فحملت . وقيل : إن النفخة كانت في كمها وروى ذلك عن ابن جريج . وقيل كانت في ذيلها . وقيل كانت في فمها .

واختلفوا في سنها إذ ذاك فقيل ثلاث عشرة سنة ، وعن وهب ومجاهد خمس عشرة سنة ، وقيل : أربع عشرة سنة ، وقيل : اثنتا عشرة سنة ، وقيل ؛ عشر سنين وقد كانت حاضت حيضتين قبل أن تحمل ، وحكى محمد بن الهيصم رئيس الهيصمية من الكرامية إنها لم تكن حاضت بعد ، وقيل : إنها عليها السلام لم تكن تحيض أصلاً بل كانت مطهرة من الحيض . وكذا اختلفوا في مدة حملها ففي رواية عن ابن عباس أنها تسعة أشهر كما في سائر النساء وهو المروى عن الباقر رضي الله تعالى عنه لأنها لو كانت مخالفة لهن في هذه العادة لناسب ذكرها في أثناء هذه القصة الغريبة . وفي رواية أخرى عنه أنها كانت ساعة واحدة كما حملته نبذته . واستدل لذلك بالتعقيب الآتي وبأنه سبحانه قال في وصفه : { إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } [ آل عمران : 59 ] فإنه ظاهر في أنه عز وجل قال له كن فيكون فلا يتصور فيه مدة الحمل . وعن عطاء . وأبي العالية . والضحاك أنها كانت سبعة أشهر ، وقيل . كانت ستة أشهر ، وقيل : حملته في ساعة وصور في ساعة ووضعته في ساعة حين زالت الشمس من يومها ، والمشهور أنها كانت ثمانية أشهر ، قيل : ولم يعش مولود وضع لثمانية غيره عليه السلام .

ونقل النيسابوري عن أهل التنجيم أن ذلك لأن الحمل يعود إلى تربية القمر فتستولى عليه البرودة والرطوبة وهو ظاهر في أن مر بي الحمل في أول الشهور منسوب إلى زحل والثاني إلى المشتري وهكذا إلى السابع وهو منسوب إلى القمر ثم ترجع النسبة إلى زحل ثم إلى المشتري : وفيها أيضاً أن جهال المنجمين يقولون إن النطفة في الشهر الأول تقبل البرودة من زحل فتجمد ، وفي الثاني تقبل القوة النامية من المشتري فتأخذ في النمو ، وفي الثالث تقبل القوة الغضبية من المريخ . وفي الرابع قوة الحياة من الشمس . وفي الخامس قوة الشهوة من الزهرة . وفي السادس قوة النطق من عطارد . وفي السابع قوة الحركة من القمر فتتم خلقة الجنين فإن ولد في ذلك الوقت عاش وإلا فإن ولد في الثامن لم يعش لقبوله قوة الموت من زحل وإن ولد في التاسع عاش لأنه قبل قوة المشتري .

ومثل تلك الكلمات خرافات وكل امرأة تعرف أن النطفة إذا مضت عليها ثلاثة أشهر تتحرك .

وقد ذكر حكماء الطبيعة أن أقل مدة الولادة ستة أشهر ومدة الحركة ثلث مدة الولادة فيكون أقلها شهرين ومن امتحن الاسقاط يعلم أن الخلقة تتم في أقل من خمسين يوماً انتهى .

وكلام المتشرعين لا يخفى عليك في هذا الباب .

وقد يعيش المولود لثمان إلا أنه قليل فليس ذلك من خواصه عليه السلام إن صح . ولم يصح عندي شيء من هذه الأقوال المضطربة المتناقضة بيد أني أميل إلى أولها والاستدلال للثاني ممال سمعت لا يخلو عن نظر .

{ فانتبذت بِهِ } أي فاعتزلت وهو في بطنها فالباء للملابسة والمصاحبة مثلها في قوله تعالى : { تَنبُتُ بالدهن } [ المؤمنون : 20 ] وقول المتنبي يصف الخيول :

فمرت غير نافرة عليهم *** تدوس بنا الجماجم والرؤسا

والجار والمجرور ظرف مستقر وقع حالاً من ضميرها المستتر أي فانتبذت ملتبسة به { مَكَاناً قَصِيّاً } بعيداً من أهلها وراء الجبل ، وأخرج عبد الله بن أمد في «زوائد الزهد » عن نوف أن جبريل عليه السلام نفخ في جيبها فحملت حتى إذا أثقلت وجعت ما يجع النساء وكانت في بيت النبوة فاستحيت وهربت حياء من قومها فأخذت نحو المشرق وخرج قومها في طلبها فجعلوا يسألون رأيتم فتاة كذا وكذا فلا يخبرهم أحد كان من أخبر الله تعالى به .

وروى الثعلبي في «العرائس » عن وهب قال : إن مريم لما حملت كان معها ابن عمر لها يسمى يوسف النجار وكانا منطلقين إلى المسجد الذي عند جبل صهيون وكانا معاً يخدمان ذلك المسجد ولا يعلم أن أحداً من أهل زمانهما أشد اجتهاداً وعبادة منهما وأول من علم أمرها يوسف فتحير في ذلك لعلمه بكمال صلاحها وعفتها وأنه لم تغب عنه ساعة فقال لها : قد وقع في نفسي شيء من أمرك لم أستطع كتمانه وقد رأيت الكلام فيه أشفى لصدري فقالت قل قولاً جميلاً فقال : يا مريم اخبريني هل ينبت زرع بغير بذر وهل تنبت شجرة من غير غيث وهل يكون ولد من غير ذكر : فقالت ؟ نعم ألم تعلم أن الله تعالى أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر ألم تعلم أن الله تعالى أنبت الشجرة من غير غيث وبالقدرة جعل الغيث حياة الشجر بعدما خلق كل واحد منهما على حدة أتقول : إن الله سبحانه لا يقدر على أن ينبت الشجرة حتى يستعين بالماء : قال ؟ لا أقول هذا ولكني أقول إن الله تعالى يقدر على ما يشاء بقول كن فيكون فقالت : ألم تعلم أن الله تعالى خلق آدم وامرأته من غير ذكر ولا أنثى ؟ فعند ذلك زال ما يجده وكان ينوب عنها في خدمة المسجد لاستيلاء الضعف عليها بسبب الحمل وضيق القلب فلما دنا نفاسها أوحى الله تعالى إليها أن اخرجي من أرض قومك لئلا يقتلوا ولدك فاحتملها يوسف إلى أرض مصر على حمار له فلما بلغت تلك البلاد أدركها النفاس فكان ما قص سبحانه ، وقيل : انتبذت أقصى الدار وهو الأنسب بقصر مدة الحمل .