مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{فَلَا تَعۡجَلۡ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمۡ عَدّٗا} (84)

أما قوله تعالى : { فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا } يقال : عجلت عليه بكذا إذا استعجلته به أي لا تعجل عليهم بأن يهلكوا أو يبيدوا حتى تستريح أنت والمسلمون من شرورهم فليس بينك وبين ما تطلب من هلاكهم إلا أيام محصورة وأنفاس معدودة ، ونظيره قوله تعالى :{ ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ } عن ابن عباس أنه كان إذا قرأها بكى وقال : آخر العدد خروج نفسك ، آخر العدد دخول قبرك ، آخر العدد فراق أهلك . وعن ابن السماك رحمه الله أنه كان عند المأمون فقرأها فقال : إذا كانت الأنفاس بالعدد ولم يكن لها مدد فما أسرع ما تنفد . وذكروا في قوله : { نعد لهم عدا } وجهين آخرين : الأول : نعد أنفاسهم وأعمالهم فنجازيهم على قليلها وكثيرها . والثاني : نعد الأوقات إلى وقت الأجل المعين لكل أحد الذي لا يتطرق إليه الزيادة والنقصان .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَلَا تَعۡجَلۡ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمۡ عَدّٗا} (84)

{ فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ } بأن يهلكوا حسبما تقتضيه جناياتهم ويبيد عن آخرهم وتطهر الأرض من خباثاتهم ، والفاء للإشعار بكون ما قبلها مظنة الوقوع المنهي عنه محوجة إلى النهي كما في قوله تعالى : { إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجنة } [ طه : 117 ] .

وقوله تعالى : { إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً } تعليل لموجب النهي ببيان اقتراب هلاكهم فإنه لم يبق لهم إلا أيام وأنفاس نعدها عداً أي قليلة كما قيل في قوله تعالى : { دراهم مَعْدُودَةٍ } [ يوسف : 20 ] ولا ينافي هذا ما مر من أنه يمد لمن كان في الضلالة أي يطول لأنه بالنسبة لظاهر الحال عندهم وهو قليل باعتبار عاقبته وعند الله عز وجل ، وقيل : إن التعليل بما ذكر دل أن أنفاسهم وأيامهم تنته بانتهاء العد ولا شك أنها على كثرتها يستوفي إحصاؤها في ساعة فعبر بهذا المعنى عن القليل فكأنه قيل : ليس بينك وبين هلاكهم إلا أيام محصورة وأنفاس معدودة كأنها في سرعة تقضيها الساعة التي تعد فيها لوعدت ، وهذا ليس مبنياً على أن كل ما يعد فهو قليل انتهى ، والأول هو الظاهر وهذا أبعد مغزى ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان إذا قرأ هذه الآية بكى وقال : آخر العدد خروج نفسك آخر العدد فراق أهلك آخر العدد دخول قبرك ، وعن ابن السماك أنه كان عند المأمون فقرأها فقال : إذا كانت الأنفاس بالعدد ولم يكن لها مدد فما أسرع ما تنفد ولله تعالى در من قال :

إن الحبيب من الأحباب مختلس *** لا يمنع الموت بواب ولا حرس

وكيف يفرح بالدنيا ولذتها *** فتى يعد عليه اللفظ والنفس

وقيل : المراد إنما نعد أعمالهم لنجازيهم عليها .