مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{ٱذۡهَبۡ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ} (24)

المسألة الخامسة : أنه سبحانه وتعالى لما أظهر له هذه الآية عقبها بأن أمره بالذهاب إلى فرعون وبين العلة في ذلك وهي أنه طغى ، وإنما خص فرعون بالذكر مع أن موسى عليه السلام كان مبعوثا إلى الكل لأنه ادعى الإلهية وتكبر وكان متبوعا فكان ذكره أولى . قال وهب : قال الله تعالى لموسى عليه السلام : «اسمع كلامي واحفظ وصيتي وانطلق برسالتي فإنك بعيني وسمعي وإن معك يدي وبصري وإني ألبستك جنة من سلطاني لتستكمل بها القوة في أمري أبعثك إلى خلق ضعيف من خلقي بطر نعمتي وأمن مكري وغرته الدنيا حتى جحد حقي وأنكر ربوبيتي ، وإني أقسم بعزتي لولا الحجة والعذر الذي وضعت بيني وبين خلقي لبطشت به بطشة جبار ولكن هان علي وسقط من عيني فبلغه عني رسالتي وادعه إلى عبادتي وحذره نقمتي : { وقل له قولا لينا } لا يغترن بلباس الدنيا فإن ناصيته بيدي ، لا يطرف ولا يتنفس إلا بعلمي ، في كلام طويل ، قال فسكت موسى سبعة أيام لا يتكلم ثم جاءه ملك فقال أجب ربك فيما أمرك بعبده » .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ٱذۡهَبۡ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ} (24)

{ اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ } تخلص إلى ما هو المقصد من تمهيد المقدمات السالفة فصل عما قبله من الأوامر إيذاناً بإصالته أي اذهب إليه بما رأيته من آياتنا الكبرى وادعه إلى عبادتي وحذره نقمتي .

وقوله تعالى : { إِنَّهُ طغى } تعليل للأمر أو لوجوب المأمور به أي جاوز الحد في التكبر والعتو والتجبر حتى تجاسر على العظيمة التي هي دعوى الربوبية ، قال وهب بن منبه : إن الله تعالى قال لموسى عليه السلام : ادن فلم يزل يدنيه حتى شد ظهره بجذع الشجرة فاستقر وذهبت عنه الرعدة وجمع يده في العصا وخضه برأسه وعنقه ثم قال له بعد أن عرفه نعمته تعالى عليه : انطلق برسالتي فإنك بعيني وسمعي وإن معك أيدي ونصرى وإني قد ألبستك جنة من سلطاني تستكمل بها القوة في أمري فأنت جند عظيم من جنودي بعثتك إلى خلق ضعيف من خلقي بطر نعمتى وأمن مكرى وغرته الدنيا حتى جحد حقي وأنكر ربوبيتي وعبد من دوني وزعم أنه لا يعرفني وإني لأقسم بعزتي لولا العذر والحجة اللذان وضعت بيني وبين خلقي لبطشت به بطشة جبار يغضب لغضبه السموات والأرض والجبال والبحار فإن أمرت السماء حصبته وإن أمرت الأرض ابتلعته وإن أمرت البحار غرقته وإن أمرت الجبال دمرته ولكنه هان علي وسقط من عيني ووسعه حلمي واستغنيت بما عندي وحق لي إني أنا الغني لا غنى غيري فبلغه رسالتي وادعه إلى عبادتي وتوحيدي وإخلاص اسمى وذكره بأيامى وحذره نقمتي وبأسى وأخبره أنه لا يقوم شيء لغضبه وقل له فيما بين ذلك قولاً لينا لعله يتذكر أو يخشى وأخبره أني إلى العفو والمغفرة أسرع مني إلى الغب والعقوبة ولا يرو عنك ما ألبسته من لباس الدنيا فإن ناصيته بيدي ليس يطرف ولا ينطق ولا يتنفس إلا بإذني وقل له : أجب ربك فإنه واسع المغفرة وانه قد أمهلك أربعمائة سنة في كلها أنت مبارزه بالمحاربة تتشبه وتتمثل به وتصد عباده عن سبيله وهو يمطر عليك السماء وينبت لك الأرض لم تسقم . ولم تهرم ولم تفتقر ولم تغلب ولو شاء أن يفعل ذلك بك فعل ولكنه ذو أناة وحلم عظيم في كلام طويل .

وفي بعض الروايات أن الله تعالى لما أمره عليه السلام بالذهاب إلى فرعون سكت سبعة أيام ، وقيل : أكثر فجاءه ملك فقال : أنفذ ما أمرك ربك ، وفي القلب من صحة ذلك شيء .