مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخۡفِيهَا لِتُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا تَسۡعَىٰ} (15)

قوله تعالى :{ إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى ، فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى }

اعلم أنه تعالى لما خاطب موسى عليه السلام بقوله : { فاعبدني وأقم الصلاة لذكري } أتبعه بقوله : { إن الساعة آتية أكاد أخفيها } وما أليق هذا بتأويل من تأول قوله { لذكري } أي لأذكرك بالأمانة والكرامة فقال عقيب ذلك : { إن الساعة آتية } لأنها وقت الإثابة ووقت المجازاة ثم قال : { أكاد أخفيها } وفيه سؤالان :

السؤال الأول : هو أن كاد نفيه إثبات وإثباته نفي بدليل قوله : { وما كادوا يفعلون } أي وفعلوا ذلك فقوله : { أكاد أخفيها } يقتضي أنه ما أخفاها وذلك باطل لوجهين ، أحدهما : قوله : { إن الله عنده علم الساعة } . والثاني : أن قوله : { لتجزي كل نفس بما تسعى } إنما يليق بالإخفاء لا بالإظهار . والجواب : من وجوه ، أحدها : أن كاد موضوع للمقاربة فقط من غير بيان النفي والإثبات فقوله : { أكاد أخفيها } معناه قرب الأمر فيه من الإخفاء وأما أنه هل حصل ذلك الإخفاء أو ما حصل فذلك غير مستفاد من اللفظ بل من قرينة قوله : { لتجزي كل نفس بما تسعى } فإن ذلك إنما يليق بالإخفاء لا بالإظهار . وثانيها : أن كاد من الله واجب فمعنى قوله : { أكاد أخفيها } أي أنا أخفيها عن الخلق كقوله : { عسى أن يكون قريبا } أي هو قريب قاله الحسن . وثالثها : قال أبو مسلم : { أكاد } بمعنى أريد وهو كقوله : { كذلك كدنا ليوسف } ومن أمثالهم المتداولة لا أفعل ذلك ولا أكاد أي ولا أريد أن أفعله . ورابعها : معناه : { أكاد أخفيها } من نفسي وقيل إنها كذلك في مصحف أبي وفي حرف ابن مسعود : { أكاد أخفيها } من نفسي فكيف أعلنها لكم قال القاضي هذا بعيد لأن الإخفاء إنما يصح فيمن يصلح له الإظهار وذلك مستحيل على الله تعالى لأن كل معلوم معلوم له فالإظهار والإسرار منه مستحيل ، ويمكن أن يجاب عنه بأن ذلك واقع على التقدير يعني لو صح مني إخفاؤه على نفسي لأخفيته عني والإخفاء وإن كان محالا في نفسه إلا أنه لا يمتنع أن يذكر ذلك على هذا التقدير مبالغة في عدم إطلاع الغير عليه ، قال قطرب : هذا على عادة العرب في مخاطبة بعضهم بعضا يقولون : إذا بالغوا في كتمان الشيء كتمته حتى من نفسي فالله تعالى بالغ في إخفاء الساعة فذكره بأبلغ ما تعرفه العرب في مثله . وخامسها : { أكاد } صلة في الكلام والمعنى : { إن الساعة آتية أخفيها } ، قال زيد الخيل :

سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه*** فما إن يكاد قرنه يتنفس

والمعنى فما يتنفس قرنه . وسادسها : قال أبو الفتح الموصلي { أكاد أخفيها } تأويله أكاد أظهرها وتلخيص هذا اللفظ أكاد أزيل عنها إخفاءها لأن أفعل قد يأتي بمعنى السلب والنفي كقولك أعجمت الكتاب وأشكلته أي أزلت عجمته وإشكاله وأشكيته أي أزلت شكواه .

وسابعها : قرئ أخفيها بفتح الألف أي أكاد أظهرها من خفاه إذا أظهره أي قرب إظهاره كقوله : { اقتربت الساعة } قال امرؤ القيس :

فإن تدفنوا الداء لا نخفه*** وإن تمنعوا الحرب لا نقعد

أي لا نظهره قال الزجاج وهذه القراءة أبين لأن معنى أكاد أظهرها يفيد أنه قد أخفاها . وثامنها : أراد أن الساعة آتية أكاد وانقطع الكلام ثم قال أخفيها ثم رجع الكلام الأول إلى أن الأولى الإخفاء : { لتجزي كل نفس بما تسعى } وهذا الوجه بعيد ، والله أعلم . السؤال الثاني : ما الحكمة في إخفاء الساعة وإخفاء وقت الموت ؟ الجواب : لأن الله تعالى وعد قبول التوبة فلو عرف وقت الموت لاشتغل بالمعصية إلى قريب من ذلك الوقت ثم يتوب فيتخلص من عقاب المعصية فتعريف وقت الموت كالإغراء بفعل المعصية ، وإنه لا يجوز . أما قوله : { لتجزي كل نفس بما تسعى } ففيه مسائل :

المسألة الأولى : أنه تعالى لما حكم بمجيء يوم القيامة ذكر الدليل عليه وهو أنه لولا القيامة لما تميز المطيع عن العاصي والمحسن عن المسيء وذلك غير جائز وهو الذي عناه الله تعالى بقوله : { أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار } .

المسألة الثانية : احتجت المعتزلة بهذه الآية على أن الثواب مستحق على العمل لأن الباء للإلصاق فقوله : { بما تسعى } يدل على أن المؤثر في ذلك الجزاء هو ذلك السعي .

المسألة الثالثة : احتجوا بها على أن فعل العبد غير مخلوق لله تعالى وذلك لأن الآية صريحة في إثبات سعي العبد ولو كان الكل مخلوقا لله تعالى لم يكن للعبد سعي ألبتة

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخۡفِيهَا لِتُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا تَسۡعَىٰ} (15)

{ إِنَّ الساعة ءاتِيَةٌ } تعليل لوجوب العبادة وإقامة الصلاة أي كائنة لا محالة ، وإنما عبر عن ذلك بالإتيان تحقيقاً لحصولها بإبرازها في معرض أمر محقق متوجه نحو المخاطبين { أَكَادُ أُخْفِيهَا } أقرب أن أخفي الساعة ولا أظهرها بأن أقول إنها آتية ولولا أن في الإخبار بذلك من اللطف وقطع الأعذار لما فعلت ، وحاصله أكاد أبالغ في إخفائها فلا أجمل كما لم أفصل ، والمقاربة هنا مجاز كما نص عليه أبو حيان أو أريد إخفاء وقتها المعين وعدم إظهاره وإلى ذلك ذهب الأخفش . وابن الأنباري . وأبو مسلم ، ومن مجيء كاد بمعنى أراد كما قال ابن جني في المحتسب قوله :

كادت وكدت وتلك خير إرادة *** لو عاد من لهو الصبابة ما مضى

وروي عن ابن عباس . وجعفر الصادق رضي الله تعالى عنهما أن المعنى أكاد أخفيها من نفسي ، ويؤيده أن في مصحف أبي كذلك ، وروى ابن خالويه عنه ذلك بزيادة فكيف أظهركم عليها ، وفي بعض القراآت بزيادة فكيف أظهرها لكم ، وفي مصحف عبد الله بزيادة فكيف يعلمها مخلوق وهذا محمول على ما جرت به عادة العرب من أن أحدهم إذا أراد المبالغة في كتمان الشيء قال : كدت أخفيه من نفسي ومن ذلك قوله :

أيام تصحبني هند وأخبرها *** ما كدت أكتمه عني من الخبر

ونحو هذا من المبالغة قوله صلى الله عليه وسلم في حديث السبعة الذين يظلهم تحت ظل «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه » ويجعل ذلك من باب المبالغة يندفع ما قيل إن إخفاء ذلك من نفسه سبحانه محال فلا يناسب دخول كاد عليه ، ولا حاجة لما قيل : إن معنى من نفسي من تلقائي ومن عندي ، والقرينة على هذا المحذوف إثباته في المصاحف ، وكونه قرينة خارجية لا يضر إذ لا يلزم في القرينة وجودها في الكلام . وقيل : الدليل عليه أنه لا بد لأخفيها من متعلق وهو من يخفى منه . ولا يجوز أن يكون من الخلق لأنه تعالى أخفاها عنهم لقوله سبحانه : { إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة } [ لقمان : 34 ] فيتعين ما ذكر . وفيه أن عدم صحة تقدير من الخلق ممنوع لجواز إرادة إخفاء تفصيلها وتعيينها مع أنه يجوز أن لا يقدر له متعلق ، والمعنى أوجد إخفاءها ولا أقول : إنها آتية .

وقال أبو علي : المعنى أكاد أظهرها بإيقاعها على أن أخفيها من ألفاظ السلب بمعنى أزيل خفاءها أي ساترها وهو في الأصل ما يلف به القربة ونحوها من كساء وما يجري مجراه . ومن ذلك قول امرئ القيس :

فإن تدفنوا الداء لا نخفه *** وإن توقدوا الحرب لا نقعد

ويؤيده قراءة أبي الدرداء . وابن جبير . والحسن . ومجاهد . وحميد . ورويت عن ابن كثير . وعاصم { أُخْفِيهَا } بفتح الهمزة فإن خفاه بمعنى أظهره لا غير في المشهور ، وقال أبو عبيدة كما حكاه أبو الخطاب أحد رؤساء اللغة : خفيت وأخفيت بمعنى واحد . ومتعلق الإخفاء على الوجه السابق في تفسير قراءة الجمهور والإظهار ليس شيئاً واحداً حتى تتعارض القراءتان . وقالت فرقة : خبر كاد محذوف أكاد آتي بها كما حذف في قول صابىء البرجمي :

هممت ولم أفعل وكدت وليتني *** تركت على عثمان تبكي حلائله

أي وكدت أفعل وتم الكلام ثم استأنف الأخبار بأنه تعالى يخفيها ، واختار النحاس وقالت فرقة أخرى : { أَكَادُ } زائدة لا دخول لها في المعنى بل المراد الإخبار بأن الساعة آتية وإن الله تعالى يخفي وقت إتيانها . وروي هذا المعنى عن ابن جبير . واستدلوا على زيادة كاد بقوله تعالى : { لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا } [ النور : 40 ] . ويقول زيد الخيل :

سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه *** فما أن يكاد قرنه يتنفس

ولا حجة في ذلك كما لا يخفى { لتجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تسعى } متعلق بآتية كما قال صاحب اللوامح وغيره وما بينهما اعتراض لا صفة حتى يلزم إعمال اسم الفاعل الموصوف وهو لا يجوز على رأي البصريين أو بأخفيها على أن المراد أظهرها لا على أن المراد أسترها لأنه لا وجه لقولك : أسترها لأجل الجزاء ، وبعضهم جوز ذلك ، ووجهه بأن تعمية وقتها لتنتظر ساعة . فساعة فيحترز عن المعصية ويجتهد في الطاعة . وتعقب بأنه تكلف ظاهر مع أنه لا صحة له إلا بتقدير لينتظر الجزاء أو لتخاف وتخشى ، وما مصدرية أي لتجزى بسعيها وعلمها إن خيراً فخير وإن شراً فشر . وهذا التعميم هو الظاهر ، وقيل : لتجزى بسعيها في تحصيل ما ذكر من الأمور المأمور بها ، وتخصيصه في معرض الغاية لإتيانها مع أنه لجزاء كل نفس بما صدر عنها سواء كان سعياً فيما ذكر أو تقاعداً عنه بالمرة أو سعياً في تحصيل ما يضاده للإيذان بأن المراد بالذات من إتيانها هو الإثابة بالعبادة ، وأما العقاب بتركها فمن مقتضيات سوء اختيار العصاة وبأن المأمور به في قوة الوجوب والساعة في شدة الهول والفظاعة بحيث يوجبان على كل نفس أن تسعى في الامتثال بالأمر وتجد في تحصيل ما ينجيها من الطاعات وتحترز عن اقتراف ما يرديها من المعاصي انتهى .

ولا يخفى ما فيه ، وقيل : ما موصولة أي بالذي تسعى فيه ، وفيه حذف العائد المجرور بالحرف مع فقد شرطه .

وأجيب بأنه يجوز أن يكون القائل لا يشترط ، وقيل : يقدر منصوباً على التوسع .

وفيه إشارة إلى الأعمال الجسمانية والروحانية وإلى علم المعاد بقوله سبحانه { إِنَّ الساعة ءاتِيَةٌ } [ طه : 15 ] .