واعلم أن المنن المذكورة ههنا ثمانية : المنة الأولى : قوله : { إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى * أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له } أما قوله : { إذ أوحينا } فقد اتفق الأكثرون على أن أم موسى عليه السلام ما كانت من الأنبياء والرسل فلا يجوز أن يكون المراد من هذا الوحي هو الوحي الواصل إلى الأنبياء وكيف لا نقول ذلك والمرأة لا تصلح للقضاء والإمامة بل عند الشافعي رحمه الله لا تمكن من تزويجها نفسها فكيف تصلح للنبوة ويدل عليه قوله تعالى : { وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم } وهذا صريح في الباب ، وأيضا فالوحي قد جاء في القرآن لا بمعنى النبوة قال تعالى : { وأوحى ربك إلى النحل } وقال : { وإذ أوحيت إلى الحواريين } ثم اختلفوا في المراد بهذا الوحي على وجوه : أحدها : المراد رؤيا رأتها أم موسى عليه السلام وكان تأويلها وضع موسى عليه السلام في التابوت وقذفه في البحر وأن الله تعالى يرده إليها .
وثانيها : أن المراد عزيمة جازمة وقعت في قلبها دفعة واحدة فكل من تفكر فيما وقع إليه ظهر له الرأي الذي هو أقرب إلى الخلاص ويقال لذلك الخاطر إنه وحي . وثالثها : المراد منه الإلهام لكنا متى بحثنا عن الإلهام كان معناه خطور رأي بالبال وغلبة على القلب فيصير هذا هو الوجه الثاني وهذه الوجوه الثلاثة يعترض عليها بأن الإلقاء في البحر قريب من الإهلاك وهو مساو للخوف الحاصل من القتل المعتاد من فرعون فكيف يجوز الإقدام على أحدهما لأجل الصيانة عن الثاني . والجواب : لعلها عرفت بالاستقراء صدق رؤياها فكان إفضاء الإلقاء في البحر إلى السلامة أغلب على ظنها من وقوع الولد في يد فرعون . ورابعها : لعله أوحى إلى بعض الأنبياء في ذلك الزمان كشعيب عليه السلام أو غيره ثم إن ذلك النبي عرفها ، إما مشافهة أو مراسلة ، واعترض عليه بأن الأمر لو كان كذلك لما لحقها من أنواع الخوف ما لحقها . والجواب : أن ذلك الخوف كان من لوازم البشرية كما أن موسى عليه السلام كان يخاف فرعون مع أن الله تعالى كان يأمره بالذهاب إليه مرارا . وخامسها : لعل الأنبياء المتقدمين كإبراهيم وإسحق ويعقوب عليهم السلام أخبروا بذلك وانتهى ذلك الخبر إلى تلك المرأة . وسادسها : لعل الله تعالى بعث إليها ملكا لا على وجه النبوة كما بعث إلى مريم في قوله : { فتمثل لها بشرا سويا } وأما قوله : { ما يوحى } فمعناه وأوحينا إلى أمك ما يجب أن يوحى وإنما وجب ذلك الوحي لأن الواقعة واقعة عظيمة ولا سبيل إلى معرفة المصلحة فيها إلا بالوحي فكان الوحي واجبا
{ إِذْ أَوْحَيْنَا إلى أُمّكَ مَا يوحى } ظرف لمننا سواء كان بدلاً من { مرة } [ طه : 37 ] أم لا ، وقيل : تعليل وهو خلاف الظاهر ، والمراد بالإيحاء عند الجمهور ما كان بالهام كما في قوله تعالى : { وأوحى رَبُّكَ إلى النحل } [ النحل : 68 ] وتعقب بأنه بعيد لأنه قال تعالى في سورة القصص : { إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وجاعلوه مِنَ المرسلين } [ القصص : 7 ] ومثله لا يعلم بالإلهام وليس بشيء لأنها قد تكون شاهدت منه عليه السلام ما يدل على نبوته وأنه تعالى لا يضيعه ، والهام الأنفس القدسية مثل ذلك لا بعد فيه فإنه نوع من «الكشف » ألا ترى قول عبد المطلب وقد سمى نبينا صلى الله عليه وسلم محمداً فقيل له : لم سميت ولدك محمداً وليس في أسماء آبائك ؟ : إنه سيحمد ، وفي رواية رجوت أن يحمد في السماء والأرض مع أن كون ذلك داخلاً في الملهم ليس بلازم .
واستظهر أبو حيان أنه كان ببعث ملك إليها لا على جهة النبوة كما بعث إلى مريم وهو مبني على أن الملك يبعث إلى غير الأنبياء عليهم السلام وهو الصحيح لكن قيل : عليه أنه حينئذ ينتقض تعريف النبي بأنه من أوحى إليه ، ولو قيل : من أوحي إليه على وجه النبوة دار التعريف وأجيب بأنه لا يتعين ذلك . ولو قيل : من أوحى إليه بأحكام شرعية لكنه لم يؤمر بتبليغها لم يلزم محذور . وقال الجبائي : إنه كان بالإراءة منا ما . وقيل : كان على لسان نبي في وقتها كما في قوله تعالى : { وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحواريين } [ المائدة : 111 ] وتعقب بأنه خلاف الظاهر فإنه لم ينقل إنه كان نبي في مصر زمن فرعون قبل موسى عليه السلام .
وأجيب بأن ذلك لا يتوقف على كون النبي في مصر ، وقد كان شعيب عليه السلام نبياً في زمن فرعون في مدين فيمكن أن يكون أخبرها بذلك على أن كثرة أنبياء بني إسرائيل عليهم السلام مما شاع وذاع ، والحق أن إنكار كون ذلك خلاف الظاهر مكابرة . واختلف في اسم أمه عليه السلام مما شاع وذاع ، والحق أن إنكار كون ذلك خلاف الظاهرة مكابرة . واختلف في اسم أمه عليه السلام والمشهور أنه يوحانذ ، وفي الاتقان هي محيانة بنت يصهر بن لاوى ، وقيل : بارخا ، وقيل : بازخت وما اشتهر من خاصية فتح الاقفال به بعد رياضة مخصوصة له مما لم نجد فيه أثراً ولعله حديث خرافة ، والمراد بما يوحى ما قصه الله تعالى فيما بعد من الأمر بقذفه في التابوت . وقدفه في «البحر » أبهم أولاً تهويلاً له وتفخيماً لشأنه ، ثم فسر ليكون أقر عند النفس ، وقيل : معناه ما ينيغي أن يوحى ولا يخل به لعظم شأنه وفرط الاهتمام به كما يقال هذا مما يكتب ، وقيل : ما لا يعلم إلا بالوحي ، والأول أوفق بكل من المعاني السابقة المرادة بالإيحاء إلا أنه قيل : عليه إنه لو كان المراد منه التفخيم والتهويل لقيل إذ أوحينا إلى أمك ما أوحينا كما قال سبحانه { فأوحى إلى عَبْدِهِ مَا أوحى } [ النجم : 10 ] ، وقال تعالى : { فَغَشِيَهُمْ مّنَ اليم مَا غَشِيَهُمْ } [ طه : 78 ] فإن تم هذا فما قيل في معناه ثانياً أولى فتدبر .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.