الصفة السادسة : قوله تعالى : { والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون } قرأ نافع وابن كثير { لأمانتهم } واعلم أنه يسمى الشيء المؤتمن عليه والمعاهد عليه أمانة وعهدا ، ومنه قوله تعالى : { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها } وقال : { وتخونوا أماناتكم } وإنما تؤدى العيون دون المعاني فكان المؤتمن عليه الأمانة في نفسه والعهد ، ما عقده على نفسه فيما يقربه إلى ربه ويقع أيضا على ما أمر الله تعالى به كقوله : { الذين قالوا إن الله عهد إلينا } والراعي القائم على الشيء لحفظ وإصلاح كراعي الغنم وراعي الرعية ، ويقال من راعى هذا الشيء ؟ أي متوليه . واعلم أن الأمانة تتناول كل ما تركه يكون داخلا في الخيانة وقد قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم } فمن ذلك العبادات التي المرء مؤتمن عليها وكل العبادات تدخل في ذلك ، لأنها إما أن تخفى أصلا كالصوم وغسل الجنابة وإسباغ الوضوء أو تخفى كيفية إتيانه بها وقال عليه السلام : «أعظم الناس خيانة من لم يتم صلاته » وعن ابن مسعود رضي الله عنه : «أول ما تفقدون من دينكم الأمانة وآخر ما تفقدون الصلاة » ومن جملة ذلك ما يلتزمه بفعل أو قول فيلزمه الوفاء به كالودائع والعقود وما يتصل بهما . ومن ذلك الأقوال التي يحرم بها العبيد والنساء لأنه مؤتمن في ذلك ، ومن ذلك أن يراعى أمانته فلا يفسدها بغصب أو غيره ، وأما العهد فإنه دخل فيه العقود والأيمان والنذور ، فبين سبحانه أن مراعاة هذه الأمور والقيام بها معتبر في حصول الفلاح .
{ والذين هُمْ لأماناتهم وَعَهْدِهِمْ راعون } قائمون بحفظها وإصلاحها ، وأصل الرعي حفظ الحيوان إما بغذائه الحافظ لحياته أو بذب العدو عنه ، ثم استعمل في الحفظ مطلقاً . والأمانات جمع أمانة وهي في الأصل مصدر لكن أريد بها هنا ما ائتمن عليه إذ الحفظ للعين لا للمعنى وأما جمعها فلا يعين ذلك إذ المصادر قد تجمع كما قدمنا غير بعيد ، وكذا العهد مصدر أريد به ما عوهد عليه لذلك ، والآية عند أكثر المفسرين عامة في كل ما ائتمنوا عليه وعوهدوا من جهة الله تعالى ومن جهة الناس كالتكاليف الشرعية والأموال المودعة والإيمان والنذور والعقود ونحوها ، وجمعت الأمانة دون العهد قيل لأنها متنوعة متعددة جداً بالنسبة إلى كل مكلف من جهته تعالى ولا يكاد يخلو مكلف من ذلك ولا كذلك العد .
وجوز بعض المفسرين كونها خاصة فيما ائتمنوا عليه وعوهدوا من جهة الناس وليس بذاك ، ويجوز عندي أن يراد بالأمانات ما ائتمنهم الله تعالى عليه من الأعضاء والقوى ، والمراد برعيها حفظها عن التصرف بها على خلاف أمره عز وجل . وأن يراد بالعهد ما عاهدهم الله تعالى عليه مما أمرهم به سبحانه بكتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، والمراد برعيه حفظه عن الإخلال به وذلك بفعله على أكمل وجه فحفظ الأمانات كالتخلية وحفظ العهد كالتحلية . وكأنه جل وعلا بعد أن ذكر حفظهم لفروجهم ذكر حفظهم لما يشملها وغيرها ، ويجوز أن تعمم الأمانات بحيث تشمل الأوال ونحوها وجمعها لما فيها لمن التعدد المحصوص المشاهد فتأمل .
وقرأ ابن كثير . وأبو عمرو في رواية { *لأمانتهم } بالإفراد .
ومن باب الإشارة : { والذين هُمْ لأماناتهم } .
قال محمد بن الفضل : سائر جوارحهم { وَعَهْدِهِمْ } الميثاق الأزلي { راعون } [ المؤمنون : 8 ] فهم حسنو الأفعال والأقوال والاعتقادات .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.